الذكاء الاصطناعي

ديب سيك تعلن عن 17 وظيفة جديدة في سباق الذكاء الاصطناعي

26 مارس، 2026 فريق أخبار تك 6 دقائق للقراءة

تقرير فريق “أخبار تك”

بينما كانت الأنظار متجهة نحو إعلانات أوبن إيه آي (OpenAI) عن مضاعفة قوتها العاملة إلى 8 آلاف موظف بحلول نهاية العام ، كان هناك طرف آخر يتحرك بصمت لكن بسرعة في الجانب الآخر من العالم. شركة ديب سيك (DeepSeek) الصينية، أعلنت عن دفعة جديدة من الوظائف تركز بالكامل على وكلاء الذكاء الاصطناعي (Agentic AI) .

في هذا التقرير، نرصد تفاصيل هذه الخطوة، ونربطها بموجة التوظيف المتسارعة التي تشهدها صناعة الذكاء الاصطناعي العالمية، ونحلل التحول الاستراتيجي من “النماذج اللغوية” إلى “الأنظمة المستقلة”.

ديب سيك تطرح 17 وظيفة في الذكاء الوكيلي

من “تدريب النماذج” إلى “بناء الأنظمة”

في 23 مارس الجاري، نشرت ديب سيك 17 وظيفة جديدة على موقعها الرسمي، جميعها تركز على تطوير الوكلاء الأذكياء (AI Agents) . الوظائف تشمل ثلاثة أدوار رئيسية :

الوظيفةالمهام الرئيسية
باحث خوارزميات التعلم العميق للوكلاءاستكشاف طرق جديدة لتحسين قدرات النماذج، والمشاركة في تطبيق التعلم المعزز (RL) في محاذاة النماذج وتحسين قدراتها
خبير تقييم بيانات الوكلاءبناء مجموعات بيانات تقييمية لقياس قدرات الوكلاء في التخطيط، استخدام الأدوات، التفاعل متعدد الجولات، والذاكرة طويلة المدى
مهندس بنية تحتية للوكلاءبناء المنصة الأساسية لتشغيل الوكلاء، بما في ذلك دمج الأدوات الخارجية، منصة التقييم، وإطار التكامل الداخلي

اللافت أن العديد من هذه الوظائف تشترط في “المهارات الإضافية” أن يكون المتقدم “مستخدماً مكثفاً” لأدوات برمجية أميركية مثل كلود كود (Claude Code) وكرسر (Cursor) وكوبيلوت (Copilot) ، في إشارة واضحة إلى أن ديب سيك تدرس منافسيها عن كثب وتسعى لتجاوزهم .

“البرمجة بالإحساس” تدخل متطلبات التوظيف

في إحدى الوظائف (مطور برمجيات شامل)، ورد شرط غير مألوف: “كمستخدم مكثف للبرمجة بالإحساس (Vibe Coding)، مواصلة استكشاف التطبيقات المبتكرة لقدرات النموذج في المنتجات” . هذا المصطلح يشير إلى أسلوب تطوير برمجي جديد يعتمد على التعليمات باللغة الطبيعية بدلاً من كتابة الأكواد يدوياً، وهو اتجاه يكتسب زخماً كبيراً في وادي السيليكون والصين على حد سواء.

التحول الاستراتيجي: من النماذج إلى الأنظمة

“ديب سيك V3.2”.. أول نموذج مصمم للوكلاء

لم تأتِ هذه الوظائف من فراغ. في ديسمبر 2025، أطلقت ديب سيك نموذجها DeepSeek-V3.2، وهو أول نموذج لها مصمم بشكل أساسي ليكون “عقل” للوكلاء الأذكياء. النموذج الجديد يركز على قدرات الاستدلال (Reasoning) والتخطيط متعدد الخطوات (Multi-step Planning)، وهي المهارات الأساسية التي يحتاجها الوكيل لأداء مهام معقدة بشكل مستقل .

وفقاً لوصف الشركة، فإن هذا النموذج يهدف إلى تمكين الوكلاء من تنفيذ مهام مثل :

  • البحث والحجز: التخطيط لرحلة وتنفيذ الحجوزات نيابة عن المستخدم
  • التفاوض والدفع: التفاوض على أسعار الفواتير وإتمام عمليات الدفع
  • إدارة سير العمل: تنفيذ مهام متعددة الخطوات في بيئات الأعمال

2026: عام التحول من “الرد” إلى “التنفيذ”

ما تفعله ديب سيك اليوم يعكس تحولاً أوسع في صناعة الذكاء الاصطناعي. بعد سنوات من التركيز على نماذج المحادثة (Chatbots) التي تجيب على الأسئلة، بدأت الشركات تتجه نحو الوكلاء الأذكياء (AI Agents) الذين ينفذون المهام نيابة عن المستخدم .

هذا التحول يتطلب بنية تحتية مختلفة تماماً. الوكلاء بحاجة إلى:

  • ذاكرة طويلة المدى (Long-term Memory) لتذكر سياق المحادثات عبر جلسات متعددة
  • قدرة على استخدام الأدوات (Tool Use) مثل البريد الإلكتروني والتقويم وقواعد البيانات
  • التفاعل مع بيئات متعددة (Multi-environment Interaction) مثل المتصفحات والتطبيقات

أوبن إيه آي تتوسع بالمقابل.. “كود ريد” يدفع لمضاعفة القوى العاملة

8,000 موظف بحلول نهاية 2026

في الجانب الآخر من المحيط، كانت أوبن إيه آي (OpenAI) قد أعلنت عن خطتها لمضاعفة قوتها العاملة من 4,500 إلى 8,000 موظف بحلول نهاية العام الجاري . هذا التوسع يأتي في إطار ما وصفه الرئيس التنفيذي سام ألتمان بـ “كود ريد” (Code Red)، في إشارة إلى ضرورة التركيز على المنتج الأساسي (ChatGPT) واستعادة الزخم في سوق المؤسسات .

الموزاييك المثيرة: التوسع في أوبن إيه آي يركز أيضاً على الهندسة المنشورة في المقدمة (Forward-deployed Engineering)، وهي وظائف تجمع بين البحث والبرمجيات والتسليم للعملاء، بهدف مساعدة المؤسسات على دمج الذكاء الاصطناعي في بيئاتها المعقدة .

المنافسة على المواهب: 150 مليون دولار في حزمة واحدة

المعركة على المواهب بين عمالقة الذكاء الاصطناعي وصلت إلى مستويات غير مسبوقة. وفقاً لتقرير Business Insider، فإن أوبن إيه آي نجحت في جذب نحو ربع موظفيها من غوغل (Google)، كما استقطبت مهندسين من ميتا (Meta) وأبل (Apple) . في المقابل، تراوحت رواتب الباحثين في أوبن إيه آي بين 245,000 و685,000 دولار سنوياً، مع حزم تعويضات إضافية قد تصل إلى ملايين الدولارات .

ديب سيك، رغم أنها لا تعلن عن رواتبها، تواجه تحدياً مماثلاً في جذب المواهب من الشركات المحلية والعالمية. لكن ميزتها أنها تستطيع تقديم ما لا تستطيع الشركات الأميركية تقديمه: الوصول إلى سوق ضخم (الصين) والتكامل العميق مع الرقاقات المحلية (هواوي وكامبريكون) .

“الوكلاء” في الصين.. حمى تطال القطاعين العام والخاص

OpenClaw.. البرمجية التي غيّرت المعادلة

ما يحدث في الصين لا يقتصر على ديب سيك وحدها. بحسب تقارير بلومبرغ، فإن الصين تشهد “حمى وكلاء” (Agentic Fever) منذ أسابيع، مدفوعة بالانتشار السريع لبرمجية أوبن كلو (OpenClaw) مفتوحة المصدر، والتي يمكن ربطها بتطبيقات المراسلة مثل واتساب (WhatsApp) ووي شات (WeChat) لأتمتة المهام اليومية .

هذه البرمجية، التي بدأت كمشروع هواة، أصبحت اليوم أداة أساسية لملايين المستخدمين في الصين، مما دفع الشركات الكبرى إلى الاستثمار بكثافة في هذا المجال. ديب سيك، كما تظهر وظائفها الجديدة، تخطط لبناء بنية تحتية متكاملة يمكنها استضافة آلاف الوكلاء طويلي الأمد (Long-running Agents) الذين يعملون في الخلفية لتنفيذ مهام معقدة .

التحديات: بين الحوسبة والخصوصية

وصول إلى البيانات الحساسة.. فتح لباب المخاطر

لكن هذا التحول نحو الوكلاء الأذكياء يحمل معه مخاطر كبيرة. الوكلاء بحاجة إلى الوصول إلى الحسابات المصرفية، البريد الإلكتروني، الأنظمة الداخلية للمؤسسات . هذا يعني أن أي ثغرة في أمان الوكيل قد تؤدي إلى كوارث أمنية غير مسبوقة.

ديب سيك تدرك هذه المخاطر، ولذلك تبحث في وظائفها عن مهندسين متخصصين في “عزل الحاويات” (Container Isolation) و“جدولة الموارد” (Resource Scheduling) و“التحكم في الصلاحيات” (Access Control) لبناء بيئة آمنة يمكن للوكلاء العمل فيها دون تعريض بيانات المستخدمين للخطر .

نقص القدرات الحاسوبية

في الوقت الذي تتسابق فيه الشركات على بناء وكلاء أكثر ذكاءً، يظل التحدي الأكبر هو القدرات الحاسوبية (Compute Capacity). تقارير تشير إلى أن نقص وحدات معالجة الرسوميات (GPUs) قد يشكل عائق حقيقي يحد من سرعة تبني الوكلاء الأذكياء في السنوات القادمة .

ديب سيك، التي تعاونت مع هواوي (Huawei) وكامبريكون (Cambricon) لتحسين أداء نماذجها على الرقاقات المحلية ، قد تكون في موقع أفضل من منافسيها الغربيين لتجاوز هذه العقبة، خاصة مع الدعم الحكومي الصيني لصناعة الرقاقات الوطنية.

خلاصة: من سباق النماذج إلى سباق الوكلاء

ما نراه اليوم في ديب سيك وأوبن إيه آي وأنثروبيك ليس مجرد منافسة على توظيف المزيد من المهندسين، بل هو تحول جذري في تعريف “الذكاء الاصطناعي” نفسه. من نماذج تجيب على الأسئلة، إلى وكلاء ينفذون المهام نيابة عنا. من “ما هو الطقس اليوم؟” إلى “احجز لي رحلة إلى طوكيو، وتفاوض على أفضل سعر، وأعد جدول أعمالي”.

كما لاحظت صحيفة فاينانشال تايمز، فإن هذا التحول يغير “كل شيء من المنتجات إلى كيفية خدمة السوق” . وأوبن إيه آي وديب سيك، رغم تنافسهما الشرس، تتحركان في نفس الاتجاه: بناء البنية التحتية للجيل القادم من الذكاء الاصطناعي، حيث تكون الآلة شريكاً حقيقياً وليس مجرد أداة.

السؤال الذي يبقى مفتوحاً: من سينجح في تحويل هذه الرؤية إلى منتج يستخدمه المليارات؟ الأيام القادمة كفيلة بالإجابة.

المصدر : وكالات انباء + مواقع اخبارية وتقنية