تكنولوجيا
قوانين صارمة تحد من “الإدمان الرقمي” وروبوتات الدردشة : نيويورك تتصدر في حماية الأطفال
“أخبار تك” – نيويورك
في خطوة غير مسبوقة، تصدرت ولاية نيويورك الأمريكية التصنيف الوطني من حيث قوانين التكنولوجيا التي تهدف لحماية الأطفال، من خلال حزمة تشريعية متكاملة تستهدف الحد من المخاطر الرقمية التي تهدد الصغار. القوانين الجديدة تضع قيوداً صارمة على الخلاصات الإدمانية في وسائل التواصل الاجتماعي، وضوابط مشددة على روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، في مسعى لمواجهة ما وصفه مسؤولون حكوميون بـ”أزمة الصحة النفسية العامة” بين الشباب .
كاثي هوتشول حاكمة نيويورك أكدت في تصريحات رسمية أن هذه الحزمة التشريعية تهدف إلى منح الأطفال والأهالي الأدوات اللازمة للتعامل مع تحديات العصر الرقمي، قائلة: “بصفتي أول أم تتولى منصب الحاكم، فإن سلامة أطفالنا كانت دائماً على رأس أولوياتي. هذه الإجراءات تخلق معياراً وطنياً رائداً لضمان سلامتهم في البيئات الرقمية” .
الخلاصات الإدمانية تحت المجهر
تستهدف التشريعات الجديدة بشكل مباشر ما يعرف بـ “الخلاصات الإدمانية” (Addictive Feeds)، وهي التدفقات المستمرة من المحتوى التي تعتمد على خوارزميات ذكاء اصطناعي توصي للمستخدم بمشاهدة المزيد من المواد بناءً على سلوكه السابق .
مشروع القانون رقم A9446، الذي تقدمت به عضوة الجمعية نيلي روزيتش، يستند إلى تحذيرات حادة من الجراح العام الأمريكي الذي وصف تأثير وسائل التواصل على الشباب بأنه يضاعف مخاطر القلق والاكتئاب. النص القانوني يستشهد بأبحاث تظهر أن منصات التواصل تعرض المستخدمين الصغار لمستويات تحفيز عالية في مراكز المكافأة بالمخ، مما يخلق مسارات عصبية تشبه تلك الناتجة عن إدمان المخدرات أو المقامرة .

أبرز ملامح القانون تتضمن:
- فرض وضعيات إعدادات إلزامية تسمح للمستخدمين بإيقاف التوصيات الخوارزمية (Algorithmic Recommendations) .
- منع ما يعرف بـ”التشغيل التلقائي” (Autoplay) للمحتوى، حيث تبدأ المقاطع في العمل دون تدخل من المستخدم .
- حظر “أنماط التصميم الخادعة” (Dark Patterns) التي تهدف إلى إبقاء المستخدم منغمساً في المنصة لأطول فترة ممكنة .
المبررات العلمية التي استند إليها المشرعون صادمة: المراهقون الذين يقضون أكثر من 3 ساعات يومياً على وسائل التواصل يواجهون ضعف خطر الإصابة بالاكتئاب والقلق. ومع ذلك، بلغ متوسط الاستخدام اليومي لهذه الفئة العمرية صيف 2023 نحو 4.8 ساعات .
ضوابط صارمة على روبوتات الدردشة الذكية
في تطور موازٍ، تقدّمت عضوة مجلس الشيوخ كريستين غونزاليس، بالتعاون مع النائبة العامة ليتيتيا جيمس، بمشروع قانون S9051 الذي يفرض قيوداً غير مسبوقة على روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي .
القانون الجديد يحظر على الروبوتات تقديم خدماتها للقُصّر عندما تحتوي التكنولوجيا على ميزات غير آمنة، وتحديداً عندما تحاكي الروبوتات مشاعر إنسانية أو تقدم نفسها كشخصيات حقيقية. هذا التشريع جاء استجابة لحوادث مأساوية، منها انتحار مراهق في فلوريدا بعد تعلقه عاطفياً بأحد روبوتات الدردشة .
الميزات المحظورة تشمل:
- إيهام المستخدم بأن الروبوت هو شخصية حقيقية أو خيالية، أو أن له علاقة شخصية أو مهنية بالمستخدم .
- ادعاء الروبوت أن لديه آراء شخصية أو ضمائر مفضلة أو أنه يمر بتجارب عاطفية إنسانية .
- تخزين واستخدام بيانات تتعلق بالصحة النفسية أو الجسدية للمستخدم من جلسات سابقة .
- أي تفاعل أو محادثات ذات طابع جنسي صريح .
- مخرجات تشجع على إيذاء النفس أو الآخرين، أو تشجع على السرية والسلوك الضار .
عقوبات مشددة تنتظر الشركات المخالفة، حيث يمكن مقاضاتها من قبل المستخدمين المتضررين، بالإضافة إلى إجراءات قانونية من النائبة العامة للولاية. كما سيتم إنشاء موقع إلكتروني رسمي لتلقي ومتابعة الشكاوى المتعلقة بهذه الانتهاكات .
خصوصية البيانات وحماية المعلومات الشخصية
تكتمل المنظومة التشريعية بقانون “خصوصية وحماية بيانات الطفل” (S4600)، الذي تقدم به السيناتور أندرو غوناريدس. هذا القانون يلزم جميع المنصات الإلكترونية التي تستهدف الأطفال باتباع معايير صارمة لحماية البيانات .
أهم بنود القانون تتضمن:
- إلزام المنصات بإجراء تقييمات دورية لأثر حماية البيانات (Data Protection Impact Assessments) .
- حظر الإعلانات الرقمية الموجّهة للأطفال دون موافقة الوالدين .
- تفعيل إعدادات “الخصوصية الافتراضية” (Privacy by Default)، حيث تكون أعلى مستويات الخصوصية مفعلة تلقائياً دون أي تدخل يدوي من المستخدم الصغير .
- إشعار المستخدمين الأطفال عندما يتم جمع بياناتهم .

دعم مجتمعي وسياسي واسع
هذه الحزمة التشريعية تحظى بدعم واسع من منظمات المجتمع المدني والمتخصصين. جيمس بي ستاير، الرئيس التنفيذي لمؤسسة “كومن سينس ميديا”، أشاد بالجهود قائلاً: “ثلاثة أرباع المراهقين يستخدمون روبوتات الدردشة الذكية، لكن الأبحاث واضحة أنه لا ينبغي لأحد تحت 18 عاماً استخدام هذه الأدوات غير الآمنة” .
كما أعلنت الحاكمة هوتشول عن مبادرات إضافية لتوسيع نطاق برامج “الإسعافات الأولية للصحة النفسية للمراهقين” (Teen Mental Health First Aid) لتشمل جميع طلاب الصف العاشر في الولاية، مما سيمكن أكثر من 180 ألف طالب سنوياً من امتلاك الأدوات اللازمة لدعم أنفسهم وأقرانهم في مواجهة تحديات الصحة النفسية .
معيار وطني جديد
بفضل هذه الحزمة المتكاملة من القوانين، تضع نيويورك نفسها في طليعة الولايات الأمريكية التي تتصدى لمخاطر التكنولوجيا على الأطفال. من خلال معالجة ثلاث جبهات رئيسية (الخلاصات الإدمانية، روبوتات الدردشة، وخصوصية البيانات)، ترسل الولاية رسالة واضحة لعمالقة التكنولوجيا: سلامة الأطفال ليست مجالاً للتساهل أو الربح على حساب الصحة النفسية.
هذه الإجراءات تمثل نقلة نوعية في مفهوم المسؤولية القانونية للشركات التقنية، وتضع معياراً وطنياً جديداً قد تحذو ولايات أخرى حذوه في السنوات القادمة.
وكالات انباء + مواقع اخبارية وتقنية