تكنولوجيا
معركة أشباه الموصلات.. سويسرا تقود ثورة المصادر المفتوحة وفاتورة الصين بـ400 مليار دولار سنوياً
تقرير خاص فريق “أخبار تك”
سباق ثلاثي الأبعاد يعيد رسم خريطة القوة العالمية
في عالم تتسابق فيه القوى الكبرى للسيطرة على سلسلة توريد أشباه الموصلات، تتصدر ثلاثة عناوين المشهد اليوم. فبينما تنفق الصين 400 مليار دولار سنوياً على استيراد أشباه الموصلات – أي أكثر مما تنفقه على النفط – تشن سويسرا ثورة صامتة في عالم التصميم المفتوح، عبر معمارية RISC-V التي قد تعيد توازن القوة في الصناعة . هذا التقرير يلخص أبعاد هذه التحولات الثلاثة في ساحة المعركة الأهم في القرن الحادي والعشرين.
سويسرا في الصدارة – معالجات مفتوحة المصدر تقود ثورة البحث
RISC-V.. “سيرن” أشباه الموصلات
في مدينة زيورخ السويسرية، تتخذ جمعية RISC-V International مقراً لها منذ عام 2020، وهي المنظمة غير الربحية التي ترعى تطوير معمارية RISC-V مفتوحة المصدر. هذه المعمارية، التي وصفت بأنها “سيرن (CERN) أبحاث أشباه الموصلات”، تتيح للباحثين والشركات تصميم رقاقات دون دفع رسوم ترخيص أو الخضوع لقيود المالكين التقليديين مثل إنتل (Intel) وأرم (ARM) .
أرقام دالة:
- أكثر من 4,500 عضو في الجمعية، من بينهم عمالقة أميركيون مثل إنفيديا (Nvidia) ومايكروسوفت (Microsoft) وجوجل (Google)، إلى جانب عمالقة صينيون مثل هواوي (Huawei) وتينسنت (Tencent) وعلي بابا (Alibaba) .
- إنفيديا وحدها شحنت أكثر من مليار نواة RISC-V في رقاقاتها عام 2024 .
من المختبر إلى العالم.. 75 رقاقة و100 ضعف كفاءة
على مدى العقد الماضي، تمكن باحثو معهد زيورخ للتقنية الفدرالي (ETH Zurich) من تطوير 75 رقاقة باستخدام هذه المعمارية المفتوحة. أبرزها رقاقات متخصصة في تعلّم الآلة (Machine Learning) والنماذج اللغوية الكبيرة (LLMs)، حققت 100 ضعف في كفاءة الطاقة مقارنة بالتصاميم التقليدية .
لوكا بينيني (Luca Benini)، أستاذ في المعهد وعضو مؤسس في جمعية RISC-V، قال: “الأوساط الأكاديمية كانت محجوبة عملياً عن تصميم أو تكييف معالجات على المعماريات المملوكة. كنت بحاجة إلى إذن صريح من مالك المعمارية. انتقلنا إلى المعمارية مفتوحة المصدر لنمنح أنفسنا حرية العمل والابتكار” .
من الأجهزة القابلة للارتداء إلى الفضاء
التطبيقات تمتد من الأجهزة القابلة للارتداء وإنترنت الأشياء (IoT) إلى مراكز البيانات وحتى المهمات الفضائية لوكالتي الفضاء الأميركية والأوروبية (NASA وESA). كما تعمل مراكز أبحاث سويسرية مثل CSEM وEPFL على تطوير رقاقات فائقة الانخفاض في استهلاك الطاقة للهواتف الذكية والأجهزة الطبية .
الصين تستورد أشباه الموصلات بـ400 مليار دولار سنوياً
الرقم الصادم
في الوقت الذي تتصدر فيه سويسرا سباق التصميم المفتوح، تواصل الصين اعتمادها الهائل على الرقاقات المستوردة. تشير تقديرات إلى أن واردات الصين من أشباه الموصلات تتجاوز 400 مليار دولار سنوياً، وهو رقم يفوق ما تنفقه على استيراد النفط الخام . هذا الاعتماد الكبير يجعل الصين عرضة للعقوبات الأميركية والقيود التصديرية التي تهدف إلى إضعاف قدراتها التكنولوجية.
الأمن القومي الصيني يدفع الثمن
هذا الوضع دفع بكين إلى تبني معمارية RISC-V بشكل واسع، كوسيلة للتحرر من سيطرة المعماريات الأميركية والاوربية . التقارير تشير إلى أن الصين تعتبر RISC-V أداة استراتيجية لتحقيق “سيادة الرقاقات” (Chip Sovereignty)، وتستثمر بكثافة في تطوير نواة (Cores) ومعالجات خاصة بها تعتمد على هذه المعمارية المفتوحة .
تحذير أميركي: في عام 2023، وجهت اللجنة المختارة للصين في الكونغرس الأميركي خطاباً إلى وزارة التجارة، محذرة من أن استخدام الصين لـ RISC-V “بهدف صريح هو تقويض ضوابط التصدير الأميركية والقفز فوق ريادتنا التكنولوجية في تصميم الرقاقات” .
كيف يمكن لسويسرا إعادة رسم توازن القوة؟
الحياد السويسري.. ميزة استراتيجية
موقع سويسرا المحايد جعلها منصة مثالية تهدف إلى أن تكون “محايدة عبر جميع المناطق الزمنية والجغرافيات والثقافات” ، بحسب الرئيس التنفيذي أندريا غالو (Andrea Gallo) .
هذا الحياد يجعل RISC-V جذابة للشركات التي تريد تجنب الصراعات الجيوسياسية. كما قال أحد الرؤساء التنفيذيين السابقين : “من جميع أنحاء العالم، سمعنا أن ‘لو لم يكن التأسيس في الولايات المتحدة، لكنا أكثر ارتياحاً'” .
من “المعاملات التجارية” إلى “البنية التحتية للابتكار”
بدلاً من منافسة تايوان أو الولايات المتحدة في التصنيع الضخم، تركز سويسرا على التصميم المتقدم والرقاقات منخفضة الطاقة والتخصصات العلمية . هذا التوجه جعل من RISC-V “بنية تحتية للابتكار” تشبه دور مصادم الهادرونات الكبير (LHC) في فيزياء الجسيمات، حيث يمكن للباحثين من جميع أنحاء العالم اختبار أفكارهم دون عوائق .
التحدي الكبير.. النظام البيئي للبرمجيات
رغم كل هذا الزخم، لا تزال أمام RISC-V عقبة كبيرة. فرانك غوركايناك (Frank Gürkaynak)، مدير مركز التصميم الدقيق في ETH Zurich، يوضح: “صنع معالج جديد ليس بهذه الصعوبة. لكن جعل النظام البيئي البرمجي بأكمله يتصل بالعتاد هو التحدي الحقيقي. يستغرق مئات السنين من ساعات العمل المتراكمة لجعل حاسوب محمول يعمل بشكل كامل” .
هذا هو السبب في أن الجمعية تعمل الآن على التعاون مع لينكس (Linux) لخلق ثلاثي مفتوح المصدر من البرمجيات والمعمارية والعتاد، في محاولة للوصول إلى المستوى التالي من النضج .
خلاصة: من يحتكر المستقبل؟
ثلاثة مشاهد ترسم ملامح مستقبل أشباه الموصلات:
| المشهد | التفاصيل |
|---|---|
| سويسرا | تقود ثورة التصميم المفتوح عبر RISC-V، ما يحرر الابتكار من قيود الاحتكار والجغرافيا السياسية |
| الصين | تستورد بـ400 مليار دولار سنوياً، وتتبنى RISC-V كأداة لتحقيق السيادة التكنولوجية وتجنب العقوبات |
| الولايات المتحدة | تواجه معضلة: كيف تحافظ على هيمنتها دون دفع العالم نحو بدائل مفتوحة المصدر تفلت من قبضتها؟ |
كما قال أليساندرو أيمار (Alessandro Aimar)، مؤسس الشركة السويسرية الناشئة “سينثارا” (Synthara): “لم تعد هناك حاجة للبقاء معتمداً على معمارية يمكن للولايات المتحدة أن تقيد إمدادها، مما يجعلك غير قادر على الحصول على معالجات متوافقة. لم تعد الشركات مقيدة بالحكومة البريطانية للحصول على إذن لاستخدام تقنية أرم” .
السؤال الأكبر: هل ستنجح الثورة المفتوحة التي تقودها سويسرا في إعادة رسم توازن القوة العالمي، أم أن العملاقين الأميركي والصيني سيبقيان السيطرة حكراً عليهما؟ الأيام القادمة كفيلة بالإجابة.
المصدر : وكالات الانباء + مواقع اخبارية وتقنية متخصصة





