تكنولوجيا
نهاية الازدهار الوظيفي في عالم التكنولوجيا
أخبار تك
عفواً، لا نوظف البشر
في يناير الماضي، وقف كريستي هوفمان، الأمين العام للاتحاد الدولي للنقابات (UNI Global Union)، على منصة المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس ليطلق تحذيراً صارماً: “بعد ضخ مئات المليارات من الدولارات في الذكاء الاصطناعي خلال السنوات القليلة الماضية، سيطلب المساهمون والرؤساء التنفيذيون عوائد على هذا الاستثمار في عام 2026. هذا يعني إعادة هيكلة سريعة لسوق العمل العالمي. لا أحد ينازع في أنه سيكون هناك إزاحة هائلة للوظائف” .
في الجهة المقابلة من الكوكب، كان جينسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا، يرد على هذه المخاوف في دافوس نفسها بعبارته الشهيرة: “وظائف، وظائف، وظائف. قطاع الطاقة يخلق وظائف. صناعة الرقاقات تخلق وظائف. البنية التحتية تخلق وظائف” .
بين هاتين الرؤيتين المتناقضتين تدور معركة وجودية: هل الذكاء الاصطناعي “صانع وظائف” أم “قاطع أرزاق “؟ تحقيق استقصائي من “أخبار تك” يدمج المسار السياسي بالتقني: من تحذيرات ساندرز من “تسونامي” البطالة، إلى استراتيجية الصين المزدوجة، وتصريحات ميلوني عن تآكل الطبقة الوسطى. هل نستعد لرؤية لافتة “عفواً، لا نوظف بشراً”؟
تحذيرات من “تسونامي” قادم
السيناتور الأميركي بيرني ساندرز لم يترك مجالاً للشك في خطابه الأخير بجامعة ستانفورد. وصف الثورة القادمة بأنها “أخطر لحظة في التاريخ الحديث “، محذراً من أن “الكونغرس والشعب الأميركي غير مستعدين على الإطلاق للتسونامي القادم”.
وأضاف: “الذكاء الاصطناعي والروبوتات سيعيدان تشكيل أنظمتنا الاقتصادية والسياسية والعسكرية بشكل جذري خلال سنوات قليلة. سيعيدان تعريف معنى أن تكون إنساناً” .
ساندرز لم يكتفِ بالتحذير، بل كشف عن واقع صادم: استطلاع أجرته مؤسسة “بيو” عام 2025 أظهر أن 64% من الجمهور يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي “سيؤدي إلى عدد أقل من الوظائف خلال العشرين سنة القادمة” .
هذه المخاوف تعكسها أرقام صندوق النقد الدولي، الذي توقع أن يؤثر الذكاء الاصطناعي على نحو 40% من الوظائف العالمية، وترتفع النسبة إلى 60% في الاقتصادات المتقدمة .
الصين.. بين الطمأنة والاستعداد للأسوأ
في الجهة المقابلة من العالم، تتبنى الصين استراتيجية مزدوجة. فمن ناحية، تطلق تصريحات مطمئنة. وانغ شياو بينغ، وزيرة الموارد البشرية والضمان الاجتماعي الصينية، أعلنت في مارس الجاري أن الحكومة تعمل على “الاستفادة بنشاط” من الذكاء الاصطناعي في خلق الوظائف وتوسيع فرص العمل لـ 12.7 مليون خريج جامعي هذا العام .
لكن الأرقام لا تكذب. وزيرة الموارد البشرية كشفت أنه على مدى السنوات الخمس الماضية، تم تحديد 72 مهنة جديدة، أكثر من 20 منها مرتبطة مباشرة بالذكاء الاصطناعي. وتوقعت أن تولد كل مهنة جديدة ما بين 300 إلى 500 ألف وظيفة في مراحلها الأولى . هذا يعني أن الصين تراهن على استبدال الوظائف القديمة بأخرى جديدة، وليس على إنقاذ الوظائف الحالية.
ليو فاي شيانغ، نائب في المجلس الوطني لنواب الشعب ومدير مركز أبحاث الصناعة المستقبلية بجامعة هونان، قال صراحة: “نحن عند نقطة تحول. في مصانع المستقبل، ستتولى الروبوتات المهام البسيطة والمتكررة. يجب على الموظفين التحول نحو العمل الإبداعي والمبتكر أو إدارة وصيانة الروبوتات”. وأضاف بتحذير صارم: “يجب على الشباب تبني الذكاء الاصطناعي بنشاط” .
لكن ليس الجميع في الصين متفائلين. أليسيا غارسيا هيريرو، كبيرة اقتصاديين آسيا والمحيط الهادئ في بنك “ناتيكسيس”، ترى أن التفاؤل الصيني مبالغ فيه: “للأتمتة تأثيران رئيسيان: الأجور تتراجع، وبطالة الشباب ستستمر في الارتفاع. إذا لم تقدم الصين أي نوع من الدخل الأساسي الشامل… فلا سبيل أمام السكان الصينيين للتعامل مع هذه الصدمة” .
تساي فانغ، خبير اقتصادي بارز في العمل، كتب في كتابه الأخير: “تدمير الوظائف غالباً ما يسبق ويطغى على خلق الوظائف. على الرغم من أن التقدم التكنولوجي سيخلق في النهاية وظائف جديدة، فإن معدلات الاختراق العالية للذكاء الاصطناعي واتجاهات الأتمتة قد تؤدي إلى صدمات توظيف طويلة الأجل” .

ميلوني تحذر من “تآكل الطبقة الوسطى”
على الجانب الأوروبي، كانت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني قد أطلقت تحذيراً مبكراً في بداية مارس الحالي من سيناريو “التدهور التدريجي للطبقة الوسطى”. وقالت في رسالة إلى فعالية “الذكاء الاصطناعي والعمل”: “لقد قلب الذكاء الاصطناعي النموذج رأساً على عقب، لأنه لم يعد العمل البدني البشري هو ما يتم استبداله، بل العقل البشري “. وأضافت: “إذا لم تتم إدارة هذه العملية، فإن المزيد والمزيد من العمال معرضون لخطر أن يصبحوا بلا فائدة، والسيناريو الذي سنواجهه هو سيناريو التدهور التدريجي للطبقة الوسطى”
ميلوني : الذكاء الاصطناعي قد يهدد حياة الطبقة الوسطى
أرامكو و”المساعد” لا “البديل”
في المنطقة العربية، تحاول الشركات العملاقة طمأنة العاملين. شركة أرامكو السعودية أكدت في تصريحات سابقة أن الذكاء الاصطناعي لن يحل محل البشر، وإنما سيكون “مساعداً” لهم. هذا الخطاب يهدف إلى تهدئة المخاوف مع استمرار الشركة في استثماراتها الضخمة في تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات.
أطلاسيان تستغني عن 1600 وظيفة لتمويل الذكاء الاصطناعي
السؤال المرعب الذي تطرحه أخبار تك على قرائها الاعزاء : هو:
هل يمكن أن نصل إلى مرحلة تصبح فيها الوظائف البشرية في قطاع التكنولوجيا استثناءً وليست قاعدة؟
وما مدى تأثر العالم العربي ولاشرق الأوسط عموما بهذه الموجة ؟
ماثيو برينس، الرئيس التنفيذي لشركة كلاود فلير، حذر في دافوس من أن الذكاء الاصطناعي قد يصبح مهيمناً لدرجة أن الشركات الصغيرة قد تختفي بينما تتعامل وكلاء آليون مستقلون مع طلبات الشراء للمستهلكين .
روب غولدشتاين، المدير التنفيذي للعمليات في بلاك روك، كشف عن نهج مقلق: “نحن نركز بشدة على إبقاء عدد موظفينا ثابتاً مع استمرارنا في النمو” . هذه العبارة تعني أن الشركة تنمو إيراداتها وأعمالها دون الحاجة إلى موظفين جدد. النمو بدون توظيف. الإنتاجية بدون بشر.
كريستي هوفمان حذرت من أن “عمال الياقات البيضاء وموظفي التكنولوجيا هم بالفعل من بين أول من يشعرون بالتأثير التخريبي للذكاء الاصطناعي” . وأضافت أن شركات التكنولوجيا تصر على أن “إدارة التكاليف الاجتماعية هي دور الحكومة”، بينما هي في نفس الوقت “تستولي على سلطة الدولة لتشكيل السياسات لمصلحتها الخاصة” .
مستقبل الوظائف البشرية وطفرة الذكاء الاصطناعي
بين المليارديرات والشعوب، من يدفع الثمن؟
هذه ليست مجرد قصة عن وظائف تختفي. إنها قصة عن إعادة توزيع هائلة للثروة. كما قال ساندرز: “الذكاء الاصطناعي والروبوتات ليسا جيدين ولا سيئين في حد ذاتهما. السؤال هو: هل ستستفيد منه حفنة من المليارديرات، أم سيستفيد منه الجمهور العام؟” .
هوفمان عبرت عن الأمر بشكل أكثر قسوة: “لا ينبغي لنا أن نسمح لمليارديرات التكنولوجيا بتحميل المجتمع تكاليف الذكاء الاصطناعي الخارجية، بما في ذلك استخدام المياه، والطلب على الكهرباء، وتلوث الكربون، أو تدمير الوظائف الجيدة. نسمع حديثاً لا نهاية له عن ‘الازدهار المشترك’، لكن لا توجد خطة لإعادة توزيع المكاسب” .
لافتة “عفواً، لا نوظف بشراً” قد لا تُعلق على الأبواب بهذه الصياغة الصريحة. لكنها معلقة بالفعل بشكل غير مرئي على أبواب آلاف الشركات التي تعلن عن “تجميد التوظيف” و”إعادة الهيكلة” و”تحسين الكفاءة” بينما تستثمر المليارات في الذكاء الاصطناعي. الفرق فقط أن العبارة مكتوبة بلغة الشركات، لا بلغة البشر العاديين ..
أخبار تك – وكالات + مواقع اقتصادية