الذكاء الاصطناعي

هل يقضي الذكاء الاصطناعي على خدمة البرمجيات ؟

26 مارس، 2026 فريق أخبار تك 8 دقائق للقراءة

تقرير فريق “أخبار تك”

في بداية فبراير 2026، حدث ما لم يتوقعه أحد. أسهم كبرى شركات البرمجيات كخدمة (SaaS) انخفضت بنسبة 10% تقريباً في أيام قليلة، مما أدى إلى محو 300 مليار دولار من قيمتها السوقية .

المحرك الرئيسي لهذا الانهيار لم يكن تراجعاً في الطلب، بل كان إعلاناً واحداً من شركة أنثروبيك (Anthropic) عن إطلاق “كلود كوورك” (Claude Cowork)، وهو وكيل ذكاء اصطناعي قادر على أداء مهام قانونية وتسويقية وإدارية متكاملة .

الرسالة التي قرأها المستثمرون بوضوح كانت:

إذا كان بإمكان وكيل ذكاء اصطناعي القيام بعمل عشرات الموظفين، فلماذا تدفع الشركات رسوماً باهظة مقابل تراخيص برمجيات لكل موظف؟

وإذا كان بإمكان الفريق الهندسي الخاص بك بناء تطبيقات مخصصة بمساعدة الذكاء الاصطناعي، فلماذا تظل أسيراً لعقود اشتراك طويلة الأجل؟

في هذا التقرير، نستعرض التحليل العميق الذي نشره موقع سي أي أو (CIO) حول هذا التحول الجذري، ونحاول الإجابة عن السؤال الأكبر: هل نحن فعلاً على أعتاب نهاية نموذج البرمجيات كخدمة كما نعرفه؟

الانهيار – ما الذي أغضب المستثمرين؟

في 4 فبراير 2026، أصدرت شركة أنثروبيك إعلاناً قصيراً: توفر الآن إضافات (Plugins) لـ كلود كوورك (Claude Cowork) في مجالات متخصصة: القانون، التسويق، المالية، وإدارة المشاريع . الإعلان لم يكن مجرد تحديث برمجي عادي، بل كان إعلان حرب على نموذج عمل اعتمدت عليه شركات البرمجيات لعقود .

للمرة الأولى، أصبح بإمكان وكيل ذكاء اصطناعي:

  • قراءة العقود القانونية الطويلة وتحليلها وتلخيصها
  • إعداد خطط تسويقية متكاملة بناءً على بيانات العملاء
  • تحليل البيانات المالية وإعداد تقارير شهرية
  • إدارة مشاريع معقدة وتوزيع المهام بين الفرق

ما جعل المستثمرين يتخوفون هو أن هذه القدرات كانت حتى الأمس القريب تقدمها شركات متخصصة بمئات الملايين من الدولارات سنوياً. والأخطر، أن كلود كوورك لا يتقاضى رسوماً لكل موظف، بل لكل تفاعل (Per-Interaction Pricing)، مما يقلل التكلفة الإجمالية للشركات بنسبة قد تصل إلى 70% .

الأرقام التي لا تكذب

تزامن الإعلان مع أرقام صادمة أخرى:

  • 90% من أكواد كلود يكتبها بنفسه، مما يعني أن الشركة نفسها تستخدم الوكيل لتطوير الوكيل .
  • كلود أوبوس 4.5 (Claude Opus 4.5) وجي بي تي 5.2 كودكس (GPT-5.2 Codex) حققا أكثر من 80% في اختبار SWE-bench Verified، وهو معيار يقيس قدرة الذكاء الاصطناعي على حل مشكلات برمجية حقيقية .

النتيجة المنطقية: شركات البرمجيات التي تعتمد على نموذج “الترخيص لكل موظف” (Per-Seat Licensing) أصبحت تحت ضغط غير مسبوق. المستثمرون بدأوا يتساءلون:

إذا كان العميل سيستبدل 10 موظفين بوكيلين ذكيين، فلماذا يستمر في دفع ثمن 10 تراخيص؟

هل نموذج البرمجيات كخدمة ماتت حقاً؟

“لن تختفي البرمجيات كخدمة، لكنها ستتحول”

وسط هذه الضجة، يرى خبراء أن نموذج البرمجيات كخدمة لن يموت، لكنه سيتحول بشكل جذري. أودو سغلافو (Udo Sglavo)، نائب رئيس الذكاء الاصطناعي التطبيقي والنمذجة في شركة ساس (SAS)، يوضح: “لا أرى وكلاء الذكاء الاصطناعي يحلون محل وظائف تطبيقات البرمجيات التقليدية، لكنهم يعيدون تعريف دور البرمجيات في المؤسسات. الوكلاء سيعملون بشكل متزايد كأنظمة تشغيل ذاتية عبر الأنظمة، مجردين من الواجهات الرسومية التقليدية، وبقدرات عالية من خلال اللغة الطبيعية والنية. هذا لا يعني اختفاء البرمجيات كخدمة؛ بل ستصبح أكثر تركيباً ودمجاً واختفاءً” .

بعبارة أخرى: لن تختفي البرمجيات، لكنها ستختفي من أمام أعين المستخدمين. بدلاً من فتح تطبيق “سيلزفورس” (Salesforce) لكتابة تقرير، ستطلب من وكيلك الذكي إعداد التقرير، وهو سيتعامل مع التطبيق في الخلفية .

أرقام صادمة: 280 مليون دولار و600 تطبيق

لفهم حجم التحول المحتمل، تكفي نظرة على أرقام المؤسسات الكبرى. بحسب التحليل، تمتلك المؤسسات الكبرى في المتوسط أكثر من 600 تطبيق برمجيات خدمية ، وتنفق نحو 280 مليون دولار سنوياً على اشتراكاتها .

هذا الكم الهائل من التطبيقات، مع تداخل وظائفها وصعوبة دمج بياناتها، هو ما يسمى بـ “فوضى البرمجيات الخدمية ” (SaaS Sprawl) . الذكاء الاصطناعي يقدم حلاً مغرياً: بدلاً من 600 تطبيق منفصل، يمكن بناء عدد محدود من الوكلاء الاذكياء المتخصصين، يصلون إلى البيانات من مصادرها الأصلية ويقدمونها في واجهة موحدة .

خمسة أسئلة حاسمة لمديري التكنولوجيا

1. متى يجب أن يحل “البرمجة بالإحساس” (Vibe Coding) محل البرمجيات كخدمة؟

البرمجة بالإحساس (Vibe Coding) هو مصطلح يصف القدرة الجديدة للمطورين على بناء تطبيقات باستخدام الذكاء الاصطناعي دون الحاجة إلى كتابة الأكواد يدوياً. هذه القدرة، التي كانت حتى وقت قريب حكراً على النخبة، أصبحت في متناول أي مطور .

أشوين ميترا (Ashwin Mithra)، رئيس الأمن المعلوماتي العالمي في كلاود بيز (CloudBees)، يحذر: “البناء منطقي عندما يكون لديك بيانات خاصة أو سير عمل لا يمكن لأي بائع تقليده، ولكن فقط عندما تكون خطوط التسليم الخاصة بك، والاختبارات الآلية، وضوابط الأمان قادرة على مواكبة السرعة التي يولد بها الذكاء الاصطناعي الأكواد. بدون هذا الأساس، أنت لا تبتكر أسرع؛ أنت تضاعف مخاطر لا تراها بعد” .

الأسئلة التي يجب على مديري التكنولوجيا طرحها:

  • ما هي متطلبات اختبار وكلاء الذكاء الاصطناعي الجديدة؟
  • ما هي المبادئ غير القابلة للتفاوض في حوكمة البيانات والخصوصية؟
  • ما هي قدرة المؤسسة على التخطيط والتطوير والاختبار والنشر والدعم؟

2. ما هي قدرات الذكاء الاصطناعي التي يجب إضافتها إلى تقييم البرمجيات الخدمية ؟

حتى لو لم تقرر المؤسسة بناء حلولها الخاصة، يجب أن ترفع سقف توقعاتها من البائعين. سريكريشنان غانيسان (Srikrishnan Ganesan)، الرئيس التنفيذي لشركة روكيتلين (Rocketlane)، يقترح تقييم ما إذا كان المنتج يقدم أكثر قدرات الذكاء الاصطناعي طموحاً في فئته، وما إذا كان يمكن توسيعها باستخدام البرمجة بالإحساس لتسهيل بناء وصيانة التطبيقات المخصصة .

روناك شيث (Ronak Sheth)، الرئيس التنفيذي لشركة برايسفيكس (Pricefx)، يضيف: ابحث عن مقدمي الخدمة الذين يدمجون الذكاء الاصطناعي الخاضع للحوكمة والقابل للتفسير مباشرة في سير العمل الأساسي، وليس أولئك الذين يضعون طبقة دردشة فوق شاشات قديمة .

3. ماذا نتوقع من تسعير البرمجيات الخدمية؟

لن تتخلى الشركات عن مقدمي البرمجيات الخدمية بالسرعة التي يبيع بها بعض المستثمرين أسهمهم. لكن من غير المرجح أيضاً أن تمرر شركات البرمجيات مكاسب الإنتاجية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي إلى العملاء في شكل أسعار أقل.

براين جيبسون (Bryan Gibson)، نائب رئيس التميز التشغيلي في تيراميند (Teramind)، يقول: “ما يجب أن يطالب به مديرو التكنولوجيا هو قيمة أكبر بنفس السعر، وليس بالضرورة أسعاراً أقل. الضغط المناسب عند التجديد هو: أرني ما غيّره الذكاء الاصطناعي في قدرة منصتك وإنتاجية فريقي. إذا كانت الإجابة ضعيفة، فهذه أداة تفاوض” .

أدي كوروغانتي (Adi Kuruganti)، كبير مسؤولي الذكاء الاصطناعي في أوتوميشن إني وير (Automation Anywhere)، يضيف: “يجب على مديري التكنولوجيا تقييم ما إذا كان مقدمو البرمجيات الخدمية يتطورون إلى ما بعد التسعير القائم على عدد المقاعد نحو القيمة القائمة على النتائج. إذا كان التسعير لا يزال مرتبطاً بالوصول بدلاً من النتائج القابلة للقياس، فهذه علامة تحذير” .

4. كيف أعد مؤسستي لتغيرات سير العمل؟

مع هذه التحولات، لا بد من الاستعداد لتغيرات جذرية في سير العمل. هناك ثلاثة سيناريوهات تستدعي جهود إدارة التغيير:

  1. بناء قدرات داخلية لتحل محل البرمجيات الخدمية أو دمج منصات البرمجيات الخدمية ، مما يتطلب خطة لإدارة التغيير لدعم الانتقال .
  2. تأثيرات محتملة في سوق البرمجيات الخدمية ، مثل استحواذ مقدمي الخدمات على بعضهم، أو تقليص عروض الدعم، أو إغلاق البائعين، مما يتطلب خططاً لتخفيف المخاطر .
  3. زيادة تعقيد وكلاء الذكاء الاصطناعي في حلول البرمجيات الخدمية، مما يتطلب جهوداً لإدارة التغيير لضمان تبني هذه القدرات .

5. أين أبحث عن قدرات احترافية ؟

السؤال غير المريح الذي يواجه من يبيعون البرمجيات هو:

إذا كان الجميع يستطيع البناء، فلا حاجة إذا لاستئجار بنّاء؟ تشاك غاناباتي (Chuck Ganapathi)، الرئيس التنفيذي لشركة غينسايت (Gainsight)، يقول: “الخندق لم يعد الأكواد بعد الآن – إنه السياق، والخبرة في المجال، والثقة التي تكتسبها من خدمة آلاف العملاء لعقود” .

أحد المجالات المهمة التي تحتاج منصات البرمجيات الخدمية إلى تحسينها هي استراتيجية البيانات. توفير النماذج والتقارير وسير العمل ضد مصادر بيانات منعزلة لم يعد مجدياً. يجب على البرمجيات الخدمية أن تثبت أنها تقدم قيمة باستخدام البيانات الخاصة بالمؤسسة، أينما كانت، وبما يتوافق مع متطلبات حوكمة البيانات والامتثال .

ماهو مستقبل البرمجيات الخدمية ؟

نموذج تسعير جديد قائم على النتائج

إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فمن المرجح أن نشهد تحولاً تدريجياً من نموذج التسعير لكل مستخدم إلى نماذج قائمة على الاستخدام أو النتائج. هذا التحول ليس نظرياً؛ شركات مثل سيلزفورس (Salesforce) بدأت بالفعل في اختبار نماذج تسعير تعتمد على عدد المحادثات أو المهام المنجزة .

تكامل وكلاء الذكاء الاصطناعي مع بعضهم

آندي بيرمان (Andy Berman)، الرئيس التنفيذي لشركة رانلاير (Runlayer)، يقدم معياراً بسيطاً لتقييم شركات البرمجيات كخدمة: “العلامة التحذيرية لأي شركة برمجيات الخدمة هي ما إذا كانت تتعرض لخادم بروتوكول السياق النموذجي (MCP Server). الشركات التي تصبح بنية تحتية يمكن للوكلاء الوصول إليها تنجو، بينما الأخرى التي تتمسك بواجهات مستخدم بشرية فقط يتم تجاوزها بالفعل” .

خفض التوقعات: لن يكون الأمر سهلاً

رغم كل هذا الحماس، يحذر الخبراء من أن التحول لن يكون سلساً. بريا فيجاياراجندران (Priya Vijayarajendran)، الرئيسة التنفيذية لشركة أساب (ASAPP)، تقول: “أحدث النماذج تسهل على الفرق إنشاء نماذج أولية وبناء أدوات مستهدفة بسرعة. لكن معظم قيمة المؤسسة تأتي من الأنظمة التي يمكنها التنفيذ بشكل موثوق عبر بيئات معقدة، مع حوكمة وتكاملات وقابلية تدقيق مدمجة في المنصة” .

خلاصة: نهاية نموذج أم بداية مرحلة جديدة؟

ما يحدث في سوق البرمجيات الخدمية ليس نهاية نموذج، بل بداية مرحلة جديدة أكثر نضجاً. النموذج القائم على “الترخيص لكل موظف” قد يواجه ضغوطاً كبيرة، لكن البرمجيات كخدمة كفلسفة (تقديم البرمجيات عبر السحابة مع تحديثات مستمرة) ستستمر، بل وستزدهر.

الفرق سيكون في كيفية تقديم هذه الخدمات. بدلاً من التطبيقات الضخمة ذات الواجهات المعقدة، ستتحول البرمجيات إلى وكلاء ذكاء اصطناعي متخصصين، يعملون في الخلفية، ويمكن استدعاؤهم باللغة الطبيعية. وبدلاً من التسعير لكل موظف، سيكون التسعير لكل مهمة أو لكل نتيجة.

مديري التكنولوجيا الذين سينجحون في هذه المرحلة هم من سيجيبون عن الأسئلة الخمسة التي طرحناها، ويوازنون بين فرص البناء الداخلي وقيمة الشراء من البائعين، ويجهزون مؤسساتهم لتحولات سير العمل الجذرية.

أما شركات البرمجيات الخدمية ، فستكون المعركة من أجل البقاء لمن يثبت أن قيمته تتجاوز مجرد توفير واجهة مستخدم، إلى تقديم سياق وخبرة مجال وبيانات لا يمكن لأي وكيل ذكاء اصطناعي محلي تقليدها.

الكلمات المفتاحية:

الوصف الميتا:


✍️ إعداد: هدهد الأخبار
“أخبار تك” – 26 مارس 2026