الذكاء الاصطناعي
حرب واشنطن على ولاياتها: كيف يسعى ترامب لـ”إسكات” قوانين الذكاء الاصطناعي المحلية؟
واشطن – أخبار تك
صراع بين البيت الأبيض وكولورادو
في ديسمبر 2025، وقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمراً تنفيذياً حمل عنوان “ضمان إطار سياسة وطنية للذكاء الاصطناعي” . الهدف المعلن: منع “التنظيمات المرهقة” للولايات التي تعيق الابتكار . لكن ما تلا ذلك كان أكثر من مجرد خطاب سياسي: تهديدات بمقاضاة الولايات، ووعود بحجب مليارات الدولارات من التمويل الفيدرالي، وسعي لتجريد الحكومات المحلية من سلطتها في تنظيم التكنولوجيا الأسرع تطوراً في العالم .
في المقابل، وصف السيناتور الديمقراطي إد ماركي (Ed Markey) هذا الأمر التنفيذي بأنه محاولة من إدارة ترامب لـ “سداد ديون حملاتها الانتخابية لشركات التكنولوجيا الكبرى” . مع تصاعد المعركة، تقف أمريكا على مفترق طرق: هل ستبقى الولايات حرة في حماية مواطنيها من مخاطر الذكاء الاصطناعي، أم ستسقط هذه القوانين تحت ضغط واشنطن؟
لماذا تتصدر كولورادو قائمة أعداء ترامب؟
قانون “كولورادو” نموذجاً.. ولماذا يستهدفه البيت الأبيض؟
في قلب المعركة، يقف قانون كولورادو للذكاء الاصطناعي (Colorado AI Act)، الذي كان من المقرر أن يدخل حيز التنفيذ في الأول من فبراير 2026 . هذا القانون، الذي صادق عليه المشرعون في الولاية، يلزم مطوري وناشري أنظمة الذكاء الاصطناعي عالية المخاطر (في مجالات مثل التوظيف، الإسكان، التعليم، والخدمات الحكومية) باتباع واجب العناية المعقولة (Reasonable Care) لحماية المستهلكين من مخاطر التمييز الخوارزمي .
أبرز بنود القانون:
- إجراء تقييمات دورية للأثر (Impact Assessments) للكشف عن التحيّز.
- وضع برامج لإدارة المخاطر.
- تزويد المستخدمين بالمعلومات اللازمة حول كيفية عمل النظام.
بالنسبة لإدارة ترامب، هذا القانون هو “تجاوز للسلطة” و”عبء تنظيمي” . الأمر التنفيذي يصفه بأنه يحاول “إجبار نماذج الذكاء الاصطناعي على إنتاج نتائج خاطئة لتجنب المعاملة التمييزية” .
آليات الصراع: كيف ستقاتل واشنطن؟
لا يملك الأمر التنفيذي نفسه قوة إلغاء القوانين المحلية. لكنه يوجه البيروقراطية الفيدرالية لاستخدام كل الأدوات المتاحة لتحقيق هذا الهدف .
1. فريق عمل وزارة العدل (AI Litigation Task Force)
يوجه الأمر التنفيذي النائب العام (Attorney General) بتشكيل فريق عمل متخصص، مهمته الوحيدة هي رفع دعاوى قضائية ضد قوانين الولايات التي تعتبرها الإدارة “متعارضة” مع سياسة واشنطن . ستستند هذه الدعاوى على نظريات قانونية مثل:
- انتهاك بند التجارة الخامل (Dormant Commerce Clause): بزعم أن قوانين الولاية تفرض أعباءً غير مبررة على التجارة بين الولايات .
- التعارض مع القوانين الفيدرالية: حتى في ظل غياب قانون فيدرالي شامل للذكاء الاصطناعي، تسعى الإدارة لإيجاد نصوص قليلة في قوانين الاتصالات أو التجارة لتبرير التفوق الفيدرالي .
2. سلاح التمويل: ابتزاز “الإنترنت العريض”
الخطوة الأكثر إثارة للجدل هي التهديد بحجب أموال فيدرالية عن الولايات “المتمردة”. يستهدف الأمر التنفيذي تحديداً برنامج BEAD (Broadband Equity, Access, and Deployment)، الذي خصص له الكونغرس 42 مليار دولار لتوسيع نطاق الإنترنت عريض النطاق في جميع أنحاء البلاد . وزارة التجارة مكلفة بإصدار إشعار يجعل الولايات التي لديها قوانين ذكاء اصطناعي “مرهقة” غير مؤهلة للحصول على هذه الأموال .
3. توجيه الهيئات الفيدرالية
- لجنة التجارة الفيدرالية (FTC): مطالبة بإصدار بيان سياسي (Policy Statement) يعتبر أن أي قانون ولاية يجبر نماذج الذكاء الاصطناعي على “تعديل مخرجاتها الحقيقية” (في إشارة لقوانين مكافحة التحيز) هو بحد ذاته ممارسة خادعة وغير عادلة (Unfair or Deceptive) بموجب قانون FTC . هذا البيان سيكون الأساس القانوني لمقاضاة الشركات التي تمتثل لقوانين الولايات .
- لجنة الاتصالات الفيدرالية (FCC): مطالبة بدراسة إنشاء معايير فيدرالية للإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي، تكون أعلى من معايير الولايات وتلغيها .
4. مشروع قانون فيدرالي موحد
يوجه الأمر التنفيذي بإعداد تشريع فيدرالي شامل (بمشاركة مساعد الرئيس للعلوم والتكنولوجيا والمستشار الخاص للذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة) يسعى إلى إلغاء قوانين الولايات في كل المجالات التي يغطيها، مع استثناءات محدودة فقط مثل حماية الأطفال والبنية التحتية لمراكز البيانات .
الرد الديمقراطي: معركة دستورية في الكونجرس
لم تقف المعارضة مكتوفة الأيدي. بعد أيام من إصدار الأمر التنفيذي، قاد النائب الديمقراطي دون باير (Don Beyer) من فرجينيا جهوداً لإصدار قانون “جاردريلز” (GUARDRAILS Act)، الذي يهدف إلى إلغاء الأمر التنفيذي ومنعه من اكتساب أي قوة قانونية.
بيان النواب كان واضحاً: هذا الأمر التنفيذي هو “غير قانوني وغير دستوري” .
النائب دون باير (Don Beyer) قال في بيانه: “في بيئة الذكاء الاصطناعي الجامحة اليوم، كانت الولايات في طليعة وضع الضمانات لمعالجة مخاطر خطيرة تتراوح من التحيز الخوارزمي إلى خصوصية البيانات وحماية المستهلك. لكن إدارة ترامب تسعى لقتل قوانين الذكاء الاصطناعي للولايات دون وضع أي ضمانات فيدرالية، مما يعرض الجمهور الأميركي لمخاطر متزايدة” .
النائبة دوريس ماتسوي (Doris Matsui) أضافت أن الإدارة تحاول “احتجاز أموال برنامج BEAD التي خصصها الكونغرس لربط كل أميركي بالإنترنت، كرهينة لابتزاز الولايات من أجل إسقاط قوانينها” . هذا التوافق بين الديمقراطيين في مجلسي النواب والشيوخ يعكس إدراكاً عميقاً بأن المعركة حول الذكاء الاصطناعي هي معركة حول مستقبل الفيدرالية الأميركية ذاتها.
الجدل القانوني: هل تصمد قوانين الولايات؟
حجة الإدارة: “التجارة الفيدرالية” و”التأثير الخارجي”
المحامون في إدارة ترامب يستعدون للطعن في قوانين الولايات بناءً على نظريتين أساسيتين :
نظرية التجارة الخامل (Dormant Commerce Clause): الحجة الأساسية هي أن الذكاء الاصطناعي هو سوق وطني بطبيعته. فوجود 50 ولاية بقوانين مختلفة (واحد منها في كولورادو وآخر في كاليفورنيا) يخلق أعباءً غير مبررة على شركات التكنولوجيا التي تعمل عبر الحدود . لكن هذا الموقف اصطدم بتطورات قانونية حديثة، خاصة قضية National Pork Producers Council v. Ross (2023) التي قررت فيها المحكمة العليا أن مجرد فرض تكاليف عالية على الشركات خارج الولاية لا يجعل القانون غير دستوري .
نظرية التعديل الأول (First Amendment): الإدارة تصر على أن قوانين الولايات التي تجبر الشركات على “تعديل مخرجاتها الحقيقية” لتفادي التحيز تمثل شكلاً من أشكال “الإكراه على الكلام” (Compelled Speech) غير الدستوري . في المقابل، يؤكد الخبراء أن قانون كولورادو لا يجبر الشركات على قول أي شيء معين، بل يطلب منها فقط أن تكون واعية للمخاطر المحتملة للتمييز .
حجة الولايات: “السلطة التقليدية في حماية المواطن”
تعتمد الولايات على مبدأ قديم راسخ: سلطة الشرطة (Police Powers) التي تسمح لها بتنظيم الصحة والسلامة ورفاهية مواطنيها . وفقاً لهذا المبدأ، فإن تنظيم التمييز في التوظيف (حتى لو كان بواسطة ذكاء اصطناعي) هو من صميم اختصاصاتها .
كما أن الباحثين في مراجعة هارفارد للقانون (Harvard Law Review) لاحظوا أن الحجة القائلة بأن الإنترنت “لا يعرف حدوداً” أصبحت قديمة، حيث أثبتت التكنولوجيا الحديثة قدرة الشركات على تخصيص منتجاتها لكل ولاية على حدة، كما حدث في قضية Free Speech Coalition v. Paxton (2025) التي أبقت المحكمة العليا على قانون تكساس لفحص العمر، رافضة الحجة بأن هذا القانون يفرض أعباءً وطنية لا يمكن تجنبها .
لماذا هذا الصراع مهم للعالم العربي؟
ما يحدث في واشنطن ليس مجرد شأن داخلي أميركي. هو معركة حول النموذج الذي ستتبناه الدول الأخرى في تنظيم الذكاء الاصطناعي. العالم العربي يواجه نفس السؤال: هل نتبنى نموذجاً مركزياً مثل النموذج الفيدرالي الذي تسعى له إدارة ترامب، أم نترك مساحة للتنوع والتجريب المحلي؟
خلاصة: معركة لا تنتهي
ما بدأ كصراع حول تنظيم التكنولوجيا، تحول إلى معركة حول مستقبل الفيدرالية الأميركية ذاتها. الأمر التنفيذي لترامب ليس مجرد بيان سياسة، بل هو خريطة طريق لمحاولة تفكيك القدرة التنظيمية للولايات في واحد من أهم المجالات الحيوية. لكن التحديات الدستورية والتشريعية العاتية، إلى جانب تصميم الولايات على حماية مواطنيها، تشير إلى أن هذه الحرب بعيدة عن الانتهاء. وفي الأثناء، تبقى شركات التكنولوجيا والمواطنون على حد سواء عالقين في منطقة رمادية خطيرة: هل يلتزمون بقوانين الولايات أم ينتظرون وصول فرق وزارة العدل الفيدرالية؟