تكنولوجيا
أزمة الهيليوم: كيف تهدد حرب إيران شريان صناعة الرقاقات العالمية؟
تقرير خاص – أخبار تك
بينما تركز الأنظار على أسعار النفط والغاز الطبيعي، يمر تحت الرادار غاز آخر لا يقل أهمية عن النفط، بل قد يكون أكثر حساسية لصناعة التكنولوجيا الحديثة. إنه الهيليوم.
الهيليوم ليس مجرد غاز يملأ بالونات الأعياد. إنه شريان حياة صناعة الرقاقات، والعمود الفقري لتصنيع أشباه الموصلات التي تشغّل كل جهاز إلكتروني حول العالم، من الهواتف الذكية إلى مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي العملاقة. ومع اندلاع الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، أصبح هذا الشريان مهدداً بالانقطاع.
في 2 مارس 2026، تعرض مجمع راس لفان الصناعي (Ras Laffan) في قطر، وهو أكبر منشأة في العالم لإنتاج الغاز الطبيعي المسال والهيليوم، لهجمات بطائرات مسيرة إيرانية. النتيجة: توقف فوري لنحو ثلث إمدادات الهيليوم العالمية. وهذه ليست مجرد أزمة عابرة، بل كارثة هيكلية تهدد بإبطاء ثورة الذكاء الاصطناعي بأكملها.
ما هو الهيليوم؟ ولماذا لا يمكن الاستغناء عنه؟
“النفط الخفي” لصناعة الرقاقات
على عكس الاعتقاد الشائع، الهيليوم ليس مجرد غاز ترفيهي. إنه عنصر فريد ولا يمكن استبداله في عمليات التصنيع الدقيقة. يمكن تلخيص أهميته في ثلاث وظائف حيوية:
أولاً: التبريد فائق السرعة: في عملية تصنيع الرقاقات، تُسخن رقائق السيليكون (السيليكون ويفر) إلى درجات حرارة عالية جداً، ثم تحتاج إلى تبريد سريع ومتساوٍ لمنع الالتواء. الهيليوم، بفضل قدرته الاستثنائية على التوصيل الحراري، هو الوحيد القادر على القيام بهذه المهمة بدقة.
ثانياً: البيئة الخاملة (Inert Environment): الهيليوم غاز خامل كيميائياً، أي لا يتفاعل مع أي مواد أخرى. في غرف التصنيع شديدة الحساسية، يُستخدم الهيليوم لمنع أي تفاعل كيميائي غير مرغوب فيه قد يلوث الرقاقات ويتلف دفعات كاملة قيمتها ملايين الدولارات.
ثالثاً: كشف التسريبات (Leak Detection): جزيئات الهيليوم صغيرة جداً، مما يجعلها مثالية لكشف أي تسريبات هوائية في أنظمة التصنيع المفرغة من الهواء (الفراغ)، وهو أمر حيوي للحفاظ على نقاء البيئة التصنيعية.
الخلاصة: باختصار، بدون الهيليوم، لا يمكن صنع الرقاقات المتطورة التي تشغّل هواتفنا وحواسيبنا، والأهم، الرقاقات التي تدرب وتشغل نماذج الذكاء الاصطناعي.
ضربة قطر – كيف انهارت الإمدادات؟
من قلب الخليج إلى تعطيل العالم
قبل الحرب، كانت قطر مسؤولة عن توفير حوالي 35% من احتياجات العالم من الهيليوم. يعتبر مجمع راس لفان (Ras Laffan) المصدر الأكبر والأهم للهيليوم في العالم، حيث يتم إنتاجه كمنتج ثانوي عن معالجة الغاز الطبيعي.
ما الذي حدث؟
- 2 مارس 2026: هجوم إيراني بطائرات مسيرة على راس لفان، مما أدى إلى توقف كامل للإنتاج.
- 4 مارس 2026: أعلنت شركة قطر للطاقة (QatarEnergy) حالة “القوة القاهرة” (Force Majeure)، مما يعني أنها غير قادرة قانونياً على الوفاء بالتزاماتها التعاقدية، وأعلنت أنها ستخفض صادرات الهيليوم بنسبة 14% على الأقل.
لماذا الهيليوم؟ الهيليوم هو أحد المنتجات الثانوية لمعالجة الغاز الطبيعي. عندما تتوقف مصانع معالجة الغاز عن العمل بسبب القصف، يتوقف إنتاج الهيليوم أيضاً. والأسوأ أن تخزين الهيليوم صعب ومكلف، فهو يتسرب عبر أي ثقب صغير، ولا يمكن الاحتفاظ بكميات كبيرة منه كاحتياطي استراتيجي مثل النفط.
الأثر على عمالقة التكنولوجيا – سباق ضد الزمن
كوريا واليابان وتايوان في مرمى الخطر
آثار هذه الضربة بدأت تظهر بوضوح على أكبر الاقتصادات التكنولوجية في آسيا، التي تعتمد بشكل كبير على الهيليوم القطري.
كوريا الجنوبية (Samsung و SK Hynix): تعتبر كوريا الأكثر تضرراً، حيث تستورد 65% من احتياجاتها من الهيليوم من قطر. عملاقا الذاكرة سامسونج وإس كيه هاينكس لديهما مخزونات تكفي لعدة أشهر، لكن إذا استمرت الأزمة، فسيواجهان نقصاً حاداً قد يؤثر على إنتاج رقاقات الذاكرة عالية النطاق (HBM) الضرورية لوحدات معالجة الرسوميات (GPUs) الخاصة بإنفيديا.
تايوان (TSMC): أكبر شركة لتصنيع الرقاقات في العالم، والتي تنتج رقاقات إنفيديا وأبل، تستورد حوالي 35% من الهيليوم من قطر. شركة TSMC أعلنت أنها تتوقع “عدم وجود تأثير كبير في الوقت الحالي” بفضل مخزونها الاستراتيجي وتنوع مصادرها، لكنها تراقب الوضع عن كثب.
اليابان: تعتمد بنسبة تتراوح بين 28% و33% على الهيليوم القطري، مما يجعلها أيضاً في موقع حساس.
الصين: تعتبر الأقل تضرراً نسبياً، حيث تستورد فقط 22% من احتياجاتها من قطر. الصين تمتلك بدائل محلية في طور التطوير، مما يمنحها ميزة نسبية في هذه الأزمة.
أزمة أسعار ونقص وشيك
الأسعار تتضاعف والحاويات عالقة
الأسواق تتفاعل بسرعة مع هذه الأزمة. أسعار الهيليوم الفورية تضاعفت منذ بدء الحرب. التحدي الأكبر ليس فقط في الإنتاج، بل في النقل. يتم شحن الهيليوم في حاويات ضخمة ومعقدة ومكلفة (يصل سعر الحاوية الواحدة إلى مليون دولار). العشرات من هذه الحاويات عالقة الآن في قطر، ولا يمكن استخدامها لنقل الهيليوم من مصادر بديلة.
خبراء مثل فيل كورنبلوث (Phil Kornbluth) من شركة كورنبلوث للاستشارات الهيليومية (Kornbluth Helium Consulting) يحذرون من أن حتى لو توقف القتال غداً، فإن عودة سلسلة التوريد إلى طبيعتها قد تستغرق 4 إلى 6 أشهر. وهذا يعني أن الضغط على صناعة الرقاقات سيتصاعد خلال الأشهر القادمة، وقد نرى تأثيراته الحقيقية على إنتاج الهواتف والحواسيب وأسعارها بحلول نهاية العام.
البدائل والحلول – هل هناك مخرج؟
إعادة التدوير وأمل روسي تحت العقوبات
في مواجهة هذه الأزمة، تبحث الشركات والحكومات عن حلول، وإن كانت محدودة:
- إعادة التدوير (Recycling): تايوان واليابان هما الأكثر تقدماً في هذا المجال، حيث تستعيد بعض المصانع ما يصل إلى 75% من الهيليوم المستخدم. هذا يقلل الاعتماد على الإمدادات الجديدة، لكنه لا يلغي الحاجة إليها.
- مصادر بديلة: بعض الشركات تحاول شراء الهيليوم من الولايات المتحدة، أكبر منتج في العالم، أو من روسيا. لكن روسيا تواجه عقوبات غربية شديدة، مما يجعل الوصول إلى إمداداتها صعباً للغاية، على الأقل بالنسبة للحلفاء الغربيين.
- التقنيات البديلة: تعمل شركات مثل سيمنز (Siemens) وفيليبس (Philips) على تطوير أجهزة تصوير طبي (MRI) تستخدم تبريداً مغلقاً يحتاج إلى كميات أقل من الهيليوم، لكن هذه التقنيات لا تزال في بداية طريقها.
خلاصة: دروس من أزمة الهيليوم
أزمة الهيليوم الحالية هي بمثابة اختبار إجهاد حقيقي لسلاسل توريد التكنولوجيا العالمية. لقد كشفت عن هشاشة الاعتماد على منطقة جيوسياسية واحدة (الخليج العربي) وممر مائي واحد (مضيق هرمز) للحصول على مادة خام لا يمكن الاستغناء عنها.
هذه الأزمة تقدم دروساً قاسية لصناعة التكنولوجيا:
- التنويع ليس ترفاً، بل ضرورة: الاعتماد على مصدر واحد، مهما كان موثوقاً، هو بمثابة قنبلة موقوتة.
- إعادة التدوير لم تعد خياراً: الاستثمار في تقنيات استعادة الهيليوم أصبح ضرورة استراتيجية، خاصة في المناطق عالية التقنية.
- أسعار الرقاقات في ارتفاع: أزمة الهيليوم ستنعكس حتماً على تكاليف الإنتاج، وبالتالي على أسعار الإلكترونيات الاستهلاكية والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، مما يضيف طبقة جديدة من الضغط على الاقتصاد العالمي الذي يعاني أصلاً من التضخم.
الهيليوم أثبت أنه ليس مجرد غاز للبالونات، بل هو “الدم” غير المرئي الذي يغذي عصر الذكاء الاصطناعي. ومع استمرار القتال، يبقى السؤال الأكبر: هل ستتعافى سلاسل التوريد قبل أن تتعطل ثورة التكنولوجيا بأكملها؟





