مباشر وعاجل
مرحباً بك في النسخة الفاخرة المعتمدة لموقع اخبار تك الإخباري التقني.
8 يوليو، 2026 بواسطة محمد اليمني

الذكاء الاصطناعي وارتفاع درجات الحرارة: ثنائية الأزمة والحل

تحقيق – أخبار تك

وجهان لعملة واحدة

عندما نتحدث عن الذكاء الاصطناعي، غالباً ما تتبادر إلى أذهاننا صور الرقائق المتطورة والنماذج اللغوية العملاقة. لكن خلف هذه الصور البرّاقة، هناك واقع مادي ملموس: مراكز بيانات تستهلك كميات هائلة من الكهرباء والمياه، وتُسهم في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. المفارقة أن هذه التقنية نفسها قد تكون مفتاحاً لحل أزمة المناخ التي تساهم فيها.

في هذا التحقيق، نستعرض الأوجه المتعددة لعلاقة الذكاء الاصطناعي بارتفاع درجات الحرارة، من التحديات البيئية التي يخلقها إلى الحلول المناخية التي يمكّنها.

البصمة الحرارية للذكاء الاصطناعي

استهلاك طاقة هائل

تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن استهلاك الكهرباء في مراكز البيانات قد يتضاعف من 485 تيراواط/ساعة في عام 2025 إلى حوالي 950 تيراواط/ساعة بحلول عام 2030، وهو ما يعادل حوالي 3% من الطلب العالمي على الكهرباء بحلول ذلك التاريخ .

لكن الأرقام الأكثر إثارة للقلق تأتي من تقرير الأمم المتحدة: بحلول عام 2030، من المتوقع أن تستهلك مراكز البيانات العالمية 945 تيراواط/ساعة من الكهرباء، أي ما يقرب من ثلاثة أضعاف الاستهلاك السنوي المشترك لباكستان وبنغلاديش ونيجيريا، وهي دول يزيد عدد سكانها عن 650 مليون نسمة .

هذا الاستهلاك الضخم يترجم مباشرة إلى انبعاثات كربونية. تشير تقديرات حكومة المملكة المتحدة إلى أن انبعاثات غازات الاحتباس الحراري من حوسبة الذكاء الاصطناعي في المملكة المتحدة وحدها قد تتراوح بين 34 و123 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون على مدى عشر سنوات، أي ما يعادل حوالي 0.9-3.4% من إجمالي الانبعاثات المتوقعة .

استهلاك مائي مذهل

لكن البصمة الكربونية ليست سوى جزء من القصة. فمراكز البيانات تستهلك كميات هائلة من المياه، خاصة للتبريد. تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن استهلاك الذكاء الاصطناعي للمياه قد يعادل الاحتياجات المنزلية الأساسية لـ 1.3 مليار شخص بحلول نهاية العقد .

في دراسة حالة، وجد الباحثون أن مجموعة البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في منطقة ساو باولو الحضرية، بقدرة تشغيلية تبلغ حوالي 550 ميجاواط، تستهلك حوالي 16.1 مليون متر مكعب من المياه سنوياً. الأكثر إثارة للدهشة هو أن أكثر من 46% من هذا الاستهلاك هو مياه “افتراضية” غير مباشرة تستهلك عبر توليد الطاقة الكهرومائية .

“الاستخدام اليومي” هو السبب الرئيسي

خلافاً للاعتقاد الشائع الذي يركز على تدريب النماذج الكبيرة، تشير الدراسات إلى أن الاستخدام اليومي (التشغيل أو الاستدلال) يمثل حوالي 80-90% من إجمالي الطلب على الطاقة . يُقدَّر أن ChatGPT وحده يعالج حوالي 2.5 مليار مطالبة يومياً، مما يترجم إلى حوالي 383 جيجاواط/ساعة من الكهرباء سنوياً .

علاوة على ذلك، تختلف كثافة الطاقة بشكل كبير حسب المهمة. فجيل صورة واحدة بالذكاء الاصطناعي قد يتطلب أكثر من ألف ضعف الطاقة التي يتطلبها تصنيف نص بسيط، بينما يتطلب توليد الفيديو موارد أكبر بكثير .

تحسن الكفاءة مقابل “تأثير الارتداد”

بالرغم من تحسن كفاءة الطاقة لكل مهمة ذكاء اصطناعي، فإن “تأثير الارتداد” (Rebound Effect) يعوض هذه المكاسب. فانخفاض التكلفة وتحسن الأداء يؤديان إلى زيادة الاستخدام، مما يرفع إجمالي استهلاك الموارد . هذا ما تؤكده وكالة الطاقة الدولية، التي تشير إلى أن نماذج التفكير والوكلاء والمهام مثل توليد الفيديو تستهلك طاقة قد تفوق مئات أو آلاف المرات استهلاك توليد النصوص البسيطة . التفاوت الجغرافي والأثر البيئي

أعباء محلية لمنافع عالمية

توزيع أثر الذكاء الاصطناعي البيئي ليس عادلاً. فالفوائد عالمية، لكن الأعباء تتركز في مناطق محددة. في أيرلندا، على سبيل المثال، شكلت مراكز البيانات 21% من إجمالي الكهرباء المقاسة عام 2023، متجاوزة جميع الأسر الحضرية، مما دفع مشغل الشبكة إلى تعليق الموافقات الجديدة حول دبلن حتى عام 2028 .

وفي المكسيك، توسع البنية التحتية للحوسبة يستنزف إمدادات المياه في كويريتارو (Querétaro) وسط حالات جفاف طويلة. أما في أوروغواي، فتزامنت خطط إنشاء مركز بيانات كثيف الاستهلاك للمياه مع جفاف عام 2023 الذي استنزف احتياطيات مونتفيديو من المياه العذبة .

تركز القوة الحاسوبية

تظهر بيانات الأمم المتحدة أن أكثر من 90% من القدرة الحاسوبية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي تتركز في دولتين فقط: الولايات المتحدة والصين. وفي المقابل، تفتقر أكثر من 150 دولة إلى بنية تحتية محلية للذكاء الاصطناعي . هذا التفاوت لا يحد فقط من الفرص الاقتصادية، بل يثير أيضاً أسئلة حول العدالة البيئية، حيث تتحمل بعض الدول التكاليف البيئية دون مشاركة كافية في فوائد النمو الذي يقوده الذكاء الاصطناعي .

الذكاء الاصطناعي كحل – التكيف والتخفيف

رغم هذه التحديات البيئية الكبيرة، يمتلك الذكاء الاصطناعي إمكانات هائلة للمساعدة في مواجهة تغير المناخ. الخبراء يرون أن تأثيره “الصافي” (Net Impact) هو ما يجب قياسه .

تحسين شبكات الطاقة

يقترح الباحث كريستيان كابس من كلية هارفارد للأعمال استخدام الذكاء الاصطناعي لإدارة تقلبات الطلب على الطاقة. يمكن لمشغلي مراكز البيانات الضخمة، إذا رغبوا وقدراتهم التقنية، استخدام بيانات الطاقة اليومية لتدريب النماذج على التنبؤ بوفرة إمدادات الطاقة المتجددة، مما يمكنهم من نقل القدرة الحاسوبية لتتبع الإمداد بدلاً من العكس. هذا من شأنه أن يسمح باستخدام طاقة أنظف عبر الاستفادة من تقلبات الطاقة المتجددة .

تسريع إزالة الكربون

يرى الأكاديمي فيكرام غاندي أن الذكاء الاصطناعي يمكنه تسريع إزالة الكربون في خمسة مجالات رئيسية: توحيد البيانات الاستراتيجية، ومعايرة الطاقة، وتحسين الزراعة، وتسريع الابتكار في مجالات مثل تخزين الطاقة واحتجاز الكربون، ومساعدة المدن والدول على التكيف مع الأحداث المناخية المتطرفة .

حلول مبتكرة للتكيف

تشير تقارير الأمم المتحدة للبيئة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي فعلياً في مشاريع تكيف مناخي ناجحة. ففي ملاوي، يُستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل بيانات الرصد المناخي التي يرسلها مراقبون مجتمعيون عبر رسائل نصية، مما يحسن دقة التنبؤات الجوية ويُسرع الاستجابة للطوارئ. وفي جورجيا، يستخدم نظام إنذار مبكر للحرائق البرية مزيجاً من أبراج المراقبة التي تعمل بالطاقة الشمسية، والاتصال عبر الأقمار الصناعية، والذكاء الاصطناعي لاكتشاف بوادر الدخان .

كما أطلقت منظمة CDP غير الربحية مؤخراً منصة “مستكشف التكيف والعمل” (Adaptation & Action Explorer) المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتي تساعد الحكومات المحلية على فهم المخاطر المناخية وتحديد أولويات إجراءات التكيف وفتح آفاق التمويل .

كفاءة الموارد والطاقة

هناك تطبيقات أخرى مباشرة للذكاء الاصطناعي في تحسين كفاءة الموارد، مثل استخدامه في إدارة المياه لتحسين الممارسات الزراعية والتنبؤ بالجفاف . كما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخفض تكاليف الطاقة في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة بنسبة 3-10%، وقد توفر حالات استخدام موثقة للذكاء الاصطناعي أكثر من 13 إكساجول من الطاقة بحلول عام 2035، وهو ما يعادل 3% من استهلاك الطاقة النهائي العالمي .

ماذا بعد؟ – نحو ذكاء اصطناعي مسؤول

يدعو تقرير الأمم المتحدة إلى نظام بيئي للذكاء الاصطناعي “مسؤول”، يقوم على مبادئ الشفافية، والكفاءة المصممة (Efficiency by Design)، والإنصاف، والمسؤولية طوال دورة الحياة، والتعاون العالمي، والاستخدام المستدام . ويوصي بإدماج البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في تخطيط الطاقة والمياه واستخدام الأراضي، وتصميم أنظمة تقلل من استهلاك الموارد .

يقول جينيفر توليوك، الزميلة التنفيذية في كلية هارفارد للأعمال: “يجب على القادة تطبيع التفكير في ‘الأثر الصافي’. هل يمكن لمشروعك تعويض التكاليف البيئية لاستخدام الذكاء الاصطناعي من خلال تبني الطاقة الشمسية وطاقة الرياح على نطاق أوسع؟” وتضيف: “لا يحتاج كل تفاعل مع العميل إلى روبوت محادثة، ولا يحتاج كل عنصر تشغيلي إلى أن يصبح ‘وكيلاً’. طبق الذكاء الاصطناعي فقط حيث يكون الأكثر فائدة” .

الذكاء الاصطناعي ظاهرة ثنائية الأوجه في سياق تغير المناخ. هو جزء من المشكلة، بفضل استهلاكه الهائل للطاقة والمياه وانبعاثاته الكربونية وتركز آثاره في مناطق محددة. لكنه أيضاً أداة رئيسية للحل، بقدرته على تحسين شبكات الطاقة، وتسريع الابتكار في الطاقة النظيفة، وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر، ورفع كفاءة الموارد.

التحدي الحقيقي يكمن في مواءمة التقدم التقني مع الاستدامة البيئية، وضمان ألا يُترجم النمو السريع في الذكاء الاصطناعي إلى أعباء غير متناسبة على الكوكب والمجتمعات الأكثر ضعفاً. المستقبل يعتمد على القرارات التي نتخذها اليوم، وعلى قدرتنا على جعل الابتكار الرقمي جزءاً من الحل المناخي، لا امتداداً للأزمة.

المصدر : وكالات انباء + مواقع متخصصة