الذكاء الاصطناعي
مستقبل المشاريع المعرفية في عصر الذكاء الاصطناعي: هل ويكيبيديا على وشك الانقراض؟
تحقيق استقصائي معمق
“أخبار تك”
مفتتح: سؤال المصير؟
في صباح أحد أيام أكتوبر 2025، استيقظ مستخدمو الإنترنت على خبر أشبه بزلزال: إيلون ماسك يطلق “جروكيبيديا”، موسوعة تعتمد بالكامل على الذكاء الاصطناعي، بلا محررين بشر، واعداً بـ”حقيقة غير متحيزة” تُكتب بواسطة الآلات . في اليوم نفسه، وضعت مؤسسة ويكيميديا على صفحتها الرئيسية لافتة صامتة ولكنها بليغة: “أنشأها بشر، لا آلات. مملوكة لمنظمة غير ربحية، لا لملياردير” .
هذه اللحظة لم تكن مجرد مناوشة بين عملاق تكنولوجيا ومؤسسة غير ربحية، بل كانت التجسيد الحي لسؤال وجودي يتردد في أروقة المعرفة الرقمية منذ ظهور ChatGPT أواخر 2022: هل المشاريع المعرفية البشرية، وفي مقدمتها ويكيبيديا، مهددة بالانقراض في عصر الآلات المتكلمة؟
في هذا التحقيق الاستقصائي، نرصد مستقبل الموسوعات البشرية في مواجهة طوفان الذكاء الاصطناعي. ونحن لا نكتفي بالتساؤل، بل نجيب: هل “أخبار تك” هي الأولى التي تطرح هذا النقاش؟ الإجابة المختصرة: كلا. النقاش بدأ قبل سنوات، وتصاعد بشكل كبير خلال 2025 و2026. لكن ما سنقدمه هنا هو أول تحقيق يجمع أطراف المعادلة كاملة: من مؤسسة ويكيبيديا الرسمية، إلى جيمي ويلز، إلى الباحثين الأكاديميين، إلى مشروع ماسك الطموح، وصولاً إلى حلول تقنية جديدة قد تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والآلة في إنتاج المعرفة.
الجزء الأول: ويكيبيديا ترد – “لن نستبدل بشرنا”
استراتيجية واضحة: لا للاستبدال، نعم للمساعدة
في 30 أبريل 2025، أصدرت مؤسسة ويكيميديا وثيقة تاريخية: استراتيجيتها الجديدة للذكاء الاصطناعي للأعوام 2025-2028 . كان الرد على سؤال “متى ستستبدلون محرريكم بالذكاء الاصطناعي؟” واضحاً وحاسماً: “لن نفعل” .
كريس ألبون، مدير التعلم الآلي في المؤسسة، كتب معلقاً: “مجتمع المتطوعين خلف ويكيبيديا هو العنصر الأهم والأكثر تميزاً في نجاحها. عنايتهم والتزامهم بالمعرفة الموسوعية الموثوقة هو شيء لا يمكن للذكاء الاصطناعي استبداله” .
الاستراتيجية الجديدة تركز على استخدام الذكاء الاصطناعي لإزالة الحواجز التقنية، لا لاستبدال البشر. وتحدد أربعة مجالات رئيسية :
- دعم المشرفين: أتمتة المهام الروتينية مثل كشف التخريب.
- توفير الوقت للمحررين: تحسين قابلية اكتشاف المعلومات، ليتفرغوا للنقاش وبناء التوافق.
- الترجمة: مساعدة المحررين على مشاركة وجهات النظر المحلية عبر ترجمة وتكييف المواضيع الشائعة.
- تأهيل المحررين الجدد: توجيهم عبر برامج إرشادية مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
جيمي ويلز: “الآلات لا تزال بعيدة جداً عن الجودة المطلوبة”
في مقابلة مع بي بي سي ساينس فوكس في أكتوبر 2025، كشف جيمي ويلز، مؤسس ويكيبيديا، عن تجاربه الشخصية مع أدوات الذكاء الاصطناعي . يقول ويلز إنه اختبر أداة لتحليل المقالات القصيرة مع المصادر الداعمة، لتحديد المعلومات المفقودة أو العبارات غير الموثقة. “اتضح أنها جيدة جداً في ذلك”، يقول ويلز.
لكنه يضيف بحسم: “أما كتابة مقالات كاملة؟ النماذج الحالية، من وجهة نظر ويكيبيدية، ليست قريبة حتى من الجودة المطلوبة” .
في مؤتمر India AI Impact Summit 2026 في نيودلهي (فبراير 2026)، شدد ويلز على أن ويكيبيديا تنظر إلى الذكاء الاصطناعي “فقط كأداة لدعم مجتمع التحرير”، وكرر أن “البشر يتحققون من المعرفة، ويناقشون، ويتجادلون، ويحاولون ضبط كل كلمة بدقة. هذا لا يمكن للآلات فعله” .
التحدي الحقيقي – غزو البوتات وأزمة البنية التحتية
دراسة كينغز كوليدج لندن: لا موت، لكن…
ربما يكون البحث الأكاديمي الأكثر أهمية في هذا السياق هو دراسة كينغز كوليدج لندن، التي نُشرت في خريف 2025 في مجلة Collective Intelligence . الباحثون، بقيادة البروفيسورة إلينا سيمبيرل، حللوا التغيرات في مشاهدات ويكيبيديا عبر 12 لغة، ست منها كانت مفتوحة لـ ChatGPT وست لم تكن.
النتيجة المفاجئة: لم يجد الباحثون أي دليل على انخفاض استخدام ويكيبيديا منذ ظهور ChatGPT في 2022 . لكنهم لاحظوا تباطؤاً في نمو الاستخدام في اللغات التي كان ChatGPT نشطاً فيها، مقارنة بتلك التي لم يكن نشطاً.
التهديد الحقيقي: زحف البوتات و”القراءة خارج المنصة”
التهديد الأكبر، بحسب الدراسة، ليس انخفاض عدد الزوار، بل تكاليف تشغيل الخوادم بسبب غزو بوتات الذكاء الاصطناعي التي تسحب بيانات ويكيبيديا لتدريب نماذجها .
البروفيسورة سيمبيرل تحذر: “مطورو الذكاء الاصطناعي يطلقون بوتاتهم على ويكيبيديا لتدريبها على بيانات عالية الجودة، مما يضغط على الخوادم إلى مستويات يصعب معها مواكبتها. كما أن ملخصات الذكاء الاصطناعي التوليدي تستخدم بيانات ويكيبيديا في نتائج البحث دون نسب المصدر، مما يحول حركة المرور بعيداً عن المنصة بينما يقترض عملها” .
بين يونيو 2024 ويونيو 2025، انخفضت حركة المرور العالمية إلى مواقع الإحالة (وأكبرهم ويكيبيديا) بنسبة 15% .
نيل ريفز، الباحث الرئيسي في الدراسة، يدعو إلى “عقد اجتماعي جديد بين شركات الذكاء الاصطناعي ومقدمي البيانات عالية الجودة مثل ويكيبيديا، بحيث تحتفظ الأخيرة بقدر أكبر من السيطرة على موادها، مع السماح باستخدامها للتدريب” .
الحلول التقنية – من “ويكيميديا إنتربرايز” إلى “إمبيدينغ بروجكت”
واجهات برمجة مدفوعة للاستخدام التجاري
في محاولة لتحقيق توازن بين إتاحة البيانات وحماية الخوادم، أطلقت مؤسسة ويكيميديا مشروعاً تجارياً يحمل اسم ويكيميديا إنتربرايز (Wikimedia Enterprise). هذا المنتج المدفوع يسمح للشركات الكبرى بالوصول إلى محتوى ويكيبيديا على نطاق واسع وبشكل مستدام، دون إرهاق الخوادم، مع دعم مهمة المؤسسة غير الربحية .
في ندوة معهد ستانفورد للذكاء الاصطناعي المتمركز حول الإنسان (يناير 2026)، شرح فريق إنتربرايز كيف توفر واجهات برمجة التطبيقات (APIs) الخاصة بهم محتوى مقالات محللاً (Parsed) مع إشارات موثوقية، مما يلغي حاجة المطورين لبناء أدوات تحليل مخصصة .
مشروع “ويكيداتا إمبيدينغ” – الذكاء الاصطناعي يتحدث لغة ويكيبيديا
في خطوة موازية، أعلنت ويكيميديا ألمانيا في أكتوبر 2025 عن مشروع “ويكيداتا إمبيدينغ” (Wikidata Embedding Project)، بالتعاون مع شركة البحث العصبي Jina.AI وDataStax . المشروع يطبق البحث الدلالي المتجه (Vector-based Semantic Search) على بيانات ويكيبيديا البالغ عددها 120 مليون مدخلة، مما يجعلها قابلة للفهم والاستعلام من قبل نماذج اللغات الكبيرة.
فيليب سعدي، مدير مشروع الذكاء الاصطناعي في ويكيداتا، يؤكد: “هذا الإطلاق يظهر أن الذكاء الاصطناعي القوي لا يجب أن يسيطر عليه عدد قليل من الشركات. يمكن أن يكون مفتوحاً، تعاونياً، ومصمماً لخدمة الجميع” .
المعركة الأيديولوجية – جروكيبيديا ضد ويكيبيديا
مشروع إيلون ماسك: موسوعة بلا بشر
في 30 أكتوبر 2025، أطلق إيلون ماسك مشروعه الطموح “جروكيبيديا” (Grokipedia)، وهو موسوعة تعتمد بالكامل على نموذج الذاك، بوعد بتقديم معرفة “دقيقة وغير متحيزة” . الإصدار الأولي (v0.1) احتوى على أكثر من 885 ألف مدخل، وهو رقم مثير للإعجاب لكنه لا يزال جزءاً صغيراً من قاعدة ويكيبيديا التي تتجاوز 6 ملايين مقالة إنجليزية.
الفلسفة مختلفة جذرياً: جروكيبيديا تعمل بـ “ذكاء خالص”، حيث تُكتب المقالات وتُدقق بواسطة الآلات، وليس عبر نقاش بشري وبناء توافق. بعض المحتوى يحمل إخلاء مسؤولية يقول: “المحتوى مقتبس من ويكيبيديا، مرخص تحت رخصة المشاع الإبداعي” .
الرد الصامت الذي هز الإنترنت
ويكيبيديا لم ترد ببيانات صحافية، بل بلافتة على صفحتها الرئيسية: “أنشأها بشر، لا آلات. مملوكة لمنظمة غير ربحية، لا لملياردير”. العبارة انتشرت كالنار في الهشيم، واختُزلت إلى “بشر لا آلات، منظمة غير ربحية لا ملياردير” .
النقاد سرعان ما رصدوا مشاكل في جروكيبيديا: وايرد وذا غارديان وجدا أن عدة مقالات تحمل انحيازات يمينية أو أخطاء واقعية، بما في ذلك ادعاء مثير للجدل يربط المواد الإباحية بوباء الإيدز .
الهنديا توداي علقت: “ما يجعل هذه المنافسة رائعة ليس فقط الغرور، بل التطور. جروكيبيديا ترمز لتغيير يحدث عبر عالم التكنولوجيا: الذكاء الاصطناعي يحل محل الأدوار البشرية في مناطق كانت تعتبر منيعة” .
المفارقة – الذكاء الاصطناعي يعتمد على ويكيبيديا
نموذج التدريب الأساسي
في منشور لها بعنوان “في عصر الذكاء الاصطناعي، لم تكن ويكيبيديا أكثر قيمة من أي وقت مضى” (نوفمبر 2025)، تقدم المؤسسة حجة مركزية: الذكاء الاصطناعي لا يمكنه الاستغناء عن المعرفة البشرية الموثقة .
هانك غرين، المتخصص في التواصل العلمي، حذر من أن الذكاء الاصطناعي قد “يلتهم نفسه” إذا لم يُغذَّ باستمرار بمعرفة بشرية محدثة، مما يؤدي إلى “انهيار النموذج” (Model Collapse) .
ويكيبيديا هي أحد أعلى مجموعات البيانات جودة في العالم لتدريب الذكاء الاصطناعي. وعندما يحاول المطورون تجاهلها، تصبح الإجابات أقل دقة، أقل تنوعاً، وأقل توثيقاً .

التحدي: كيف تبقى ويكيبيديا “مرئية”؟
المشكلة أن الذكاء الاصطناعي يستخدم ويكيبيديا، لكنه لا يرسل الزوار إليها. جيمي ويلز يرى أن هذا تهديد وجودي طويل المدى: “مع عدد أقل من الزيارات إلى ويكيبيديا، قد ينمو عدد أقل من المتطوعين، وقد يتبرع عدد أقل من الأفراد لدعم هذا العمل” .
لهذا تدعو المؤسسة إلى أمرين :
- النسب (Attribution): أن تنسب أنظمة الذكاء الاصطناعي الفضل للمصادر البشرية.
- الدعم المالي (Financial Support): استخدام منصات مثل ويكيميديا إنتربرايز للوصول المستدام.
مستقبل مفتوح على احتمالين
السيناريو الأول (التشاؤمي):
تستمر بوتات الذكاء الاصطناعي في زحفها، وتنخفض زيارات البشر، وتجف مصادر التمويل، ويتراجع عدد المتطوعين. تتحول ويكيبيديا تدريجياً إلى “مستودع بيانات” تُسحب منه المعلومات دون أن يُرى، وتفقد قدرتها على التجديد الذاتي. في هذا السيناريو، ينتصر “جروكيبيديا” بالنيابة عن جيل كامل من المنصات الآلية.
السيناريو الثاني (التفاؤلي):
تنجح ويكيبيديا في عقد “صفقة اجتماعية جديدة” مع عمالقة الذكاء الاصطناعي. تدفع الأخيرة ثمناً عادلاً للبيانات عالية الجودة، وتنسب المصدر بوضوح. تستخدم المؤسسة هذه الموارد لتعزيز بنيتها التحتية، وتوظف الذكاء الاصطناعي كمساعد للبشر لا بديل عنهم. تبقى ويكيبيديا المنارة التي تضيء طريق الآلات، والبشر معاً.
الواقع على الأرض اليوم (مارس 2026) يميل أكثر نحو السيناريو الثاني. المؤسسة لديها استراتيجية واضحة. المشاريع التقنية تنضج. جيمي ويلز متفائل بحذر. وحتى تحدّي ماسك، رغم ضجيجه الإعلامي، لم يُحدث خرقاً في القلعة الحصينة.
لكن التحديات الحقيقية لم تُحل بعد: تكاليف الخوادم تتزايد، وانخفاض الزيارات مستمر، و”القراءة خارج المنصة” أصبحت عادة رقمية راسخة.
ربما يكون كريس ألبون مدير التعلم الآلي في المؤسسة، هو من لخص المعادلة بأجمل صورة: “المجتمع البشري خلف ويكيبيديا هو ما لا يمكن للذكاء الاصطناعي استبداله. نحن لا نبني آلة تفكر، بل نبني فضاءً يتنفس” .
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تكفي “الإنسانية” وحدها لضمان بقاء مشروع معرفي في زمن الآلات المتكلمة؟ الإجابة ستكتبها السنوات القليلة القادمة.
فريق تحرير أخبار تك
ملاحظة: هذا التحقيق يستند إلى مصادر موثقة من مؤسسة ويكيميديا، وكينغز كوليدج لندن، وستانفورد، ومقابلات صحفية مع جيمي ويلز، وتقارير من TechCrunch وWired وNews18، وتغطية إطلاق Grokipedia. جميع المراجع متاحة عند الطلب.