الذكاء الاصطناعي
بيل غيتس يدعو الى إبطاء الذكاء الاصطناعي قبل فوات الأوان
في تحول مفاجئ في موقفه، مؤسس مايكروسوفت يحذر من المخاطر الاقتصادية والأمنية للتطور السريع للتقنية ويقدم حلولا تشمل تخصيص ‘وظائف حصرية للبشر’ وفرض ضرائب على الروبوتات لتمويل الحماية الاجتماعية وإعادة تدريب العمال.
سان فرانسيسكو (كاليفورنيا) – حذر بيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت، من أن العالم دخل مرحلة “مضطربة” بسبب التطور السريع للذكاء الاصطناعي، داعيا الحكومات إلى التحرك بصورة عاجلة لحماية الوظائف والمجتمع ووضع قواعد دولية للتعامل مع المخاطر التي تفرضها التكنولوجيا، في تحول مفاجئ عن موقفه السابق.
وقال غيتس في مقال مطول نشره الأربعاء على موقعه “غيتس نوتس” إن العالم لا يملك حاليا خطة واضحة للانتقال إلى عصر الذكاء الاصطناعي، محذرا من أن التكنولوجيا قد تؤدي إلى خسارة دائمة لعدد كبير من الوظائف، فضلا عن مخاطر تتعلق بالأمن والتعليم وصحة الأطفال والقرصنة الإلكترونية وإمكانية استخدامها في تطوير أسلحة بيولوجية.
وقال غيتس، الذي كان من أبرز المتفائلين بإمكانات الذكاء الاصطناعي، إنه بات يتمنى للمرة الأولى في حياته أن تتقدم تكنولوجيا جديدة بوتيرة أبطأ، بعدما فاقت قدرات الأنظمة توقعاته، خصوصا في مجالات البرمجة والهجمات الإلكترونية.
وقال لصحيفة “واشنطن بوست” إن مخاوفه تتركز على ثلاثة مجالات رئيسية هي تهديدات السلامة والأمن، وفقدان الوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي والروبوتات، وتأثير التكنولوجيا على الأطفال وقدرتهم على التعلم وبناء العلاقات الإنسانية.
وأضاف أن شركات الذكاء الاصطناعي لا تستطيع تنظيم نفسها بنفسها، داعيا الحكومة الأميركية إلى قيادة تدخل سياسي عاجل.
ويقترح غيتس إنشاء فئة من الوظائف التي يسميها “Human Reserved”، أي وظائف أو مهام تبقى مخصصة للبشر حتى لو أصبحت الآلات قادرة على أدائها.
وشبه الفكرة بالمحميات الطبيعية التي تختار المجتمعات عدم استغلالها رغم قدرتها على ذلك، حفاظا على قيمة ترى أنها تستحق الحماية. وقال إن قطاعات مثل رعاية الأطفال والرعاية الصحية والتعليم وبعض الوظائف التي تتطلب التعاطف الإنساني قد تستحق حماية مماثلة.
وقال غيتس لوكالة “أكسيوس” إنه يمكن أن تكون الحماية دائمة لبعض الوظائف، أو مؤقتة في حالات أخرى، خصوصا للعمال الذين يصعب عليهم الانتقال إلى مهن جديدة. وفي سيناريو وصفه بأنه “متطرف”، قال إنه يستطيع تصور إبقاء ما يصل إلى 40 بالمئة من الوظائف الحالية مخصصة للبشر، لكنه أقر بأن الوصول إلى هذه النسبة سيكون بالغ الصعوبة.
كما دعا غيتس إلى إعادة النظر في النظام الضريبي، مقترحا فرض ضرائب على استخدام الذكاء الاصطناعي والروبوتات أو على “الوحدات” التي تنتجها أنظمة الذكاء الاصطناعي عندما تحل محل العمل البشري.
وبرأيه، يشجع النظام الحالي الشركات بصورة غير مباشرة على استبدال الموظفين بالآلات، لأن الأجور البشرية تخضع للضرائب في حين لا تعامل الآلات بالطريقة نفسها. ويمكن، بحسب غيتس، استخدام الإيرادات الناتجة عن هذه الضرائب لتمويل إعادة تدريب العمال وشبكات الأمان الاجتماعي.
ولا يعتقد غيتس أن التهديد سيقتصر على موظفي المكاتب. فمع تطور الروبوتات، يرى أن العمال في قطاعات مثل البناء والضيافة يمكن أن يواجهوا منافسة متزايدة خلال السنوات المقبلة. وقال إن انتظار فقدان الوظائف ثم محاولة إعادة تدريب ملايين الأشخاص سيكون متأخرا للغاية.
وفي مقابلة مع “رويترز”، كشف غيتس عن جانب دولي من خطته، إذ يسعى إلى لقاء الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال زيارة محتملة إلى الصين في تشرين الثاني/نوفمبر، لبحث تعاون عالمي للحد من مخاطر الذكاء الاصطناعي.
وقال إن الصين قد تكون مستعدة لتقييد إطلاق نماذج ذكاء اصطناعي شديدة الخطورة إذا بادرت الولايات المتحدة أولا إلى اتخاذ مثل هذه الخطوة. كما اقترح أن تراقب الدول قدرة الذكاء الاصطناعي على تصميم جزيئات يمكن استخدامها في هجمات بيولوجية.
ودعا غيتس أيضا إلى إنشاء أطر وطنية ودولية للإشراف على الذكاء الاصطناعي، معتبرا أن المخاطر العابرة للحدود تتطلب تعاونا بين الحكومات والخبراء والمجتمع المدني. وحذر من أن المؤسسات الحكومية الحالية قد لا تكون مستعدة للتعامل مع سرعة التغير التكنولوجي.
وفي المقابل، لم يتخل غيتس عن رؤيته الإيجابية للذكاء الاصطناعي. فهو يرى أن التكنولوجيا يمكن أن تحسن الرعاية الصحية والتعليم والخدمات الحكومية والزراعة، وأنها قد تحقق فوائد كبيرة خصوصا في البلدان الفقيرة.
لكن رسالته الجديدة تقوم على أن هذه الفوائد ليست مضمونة. وقال إن السؤال الأساسي هو ما إذا كان العالم يستطيع الحصول على “قدر صغير من السيئ مع قدر كبير من الجيد”، بدلا من السماح للأضرار الاجتماعية والاقتصادية بالتفاقم قبل التدخل.
وبالمحصلة، لا يدعو غيتس إلى وقف الذكاء الاصطناعي، بل إلى إبطاء بعض جوانب انتقاله وإخضاعها لقواعد سياسية واقتصادية جديدة. وبعد سنوات من الترويج لقدرة التكنولوجيا على تغيير العالم، يقول الملياردير الأميركي إن الخطر الآن هو أن يتغير العالم بسرعة أكبر من قدرة الحكومات والمجتمعات على التكيف معه.





